الكتابة اليقينية والاحتمال

هُناك مَن يتهم الثقافة العربية بأنها ثقافة يقينية، سلطوية، أي أن الكُتّاب العرب تَكادُ تخلو كتاباتهم من الأفعال والمفردات.
الأحد 2018/12/23
الرسم للفنان وليد نظمي

القراءة والكتابة فنّانِ خطران، تكمن خطورتهما في آليات الخطاب المضمرة فيهما، فالقراءة غير الواعية؛ القراءة التي تحركها منطلقات -أو لنقل أيديولوجية القراءة- لا تقلّ خطورة عن الكتابة التي تحركها دوافع أيديولوجية.

فحين تقرأ نَصًّا يخلو من الأفعال اليقينية واللغة الحازمة الجازمة؛ باستخدام أفعال تُبدي وجهة نظر تودّ المشاركة مع القارئ، عبر الأفعال (أعتقد، أظن) أو (ربما) أو (على الأرجح) فالأجدر أن نتفاعل مع النص بوصفه يطرح رأيًا أو خطابًا ليس يقينيًّا، لا أن نجزم بيقينيته فيكون تفاعلنا معه سلبيًّا عبر إنكارٍ تام أو قبول مُسَلَّم به.

هُناك مَن يتهم الثقافة العربية بأنها ثقافة يقينية، سلطوية، أي أن الكُتّاب العرب تَكادُ تخلو كتاباتهم من الأفعال والمفردات التي ذكرتها أعلاه، فَيُدَوّن الكاتب رأيه بيقينية تعليمية مطلقة وكأنه الأب والمعلم والعالم، بينما القارئ طفل لا يفقه شيئًا في الموضوع الذي يكتب فيه الكاتب العربي. إن هذا الاتهام لا يخلو من مصداقية، فنسبة من الكُتّاب العرب يُهيمن الخطاب الاستعلائي (سلطة الأب والمعلم) على أساليب كتاباتهم، وبعض هؤلاء يعيشون في الغرب الذي يُهيمن عليه ما يمكن تسميته بالخطاب “الظنّي” الخطاب غير اليقيني، وهؤلاء الكتّاب لم تشفع لهم إقامتهم الطويلة في الغرب ولا الآلاف من الكُتب المنتجة بلغات الغرب، حافظوا على نهجهم السلطوي في الكتابة.

يستطيع الكاتب -من وجهة نظري- أن يتخلّص من خطابه اليقيني عبر الأفعال الظنية غير الجازمة، مثل (أعتقد، أظن) والكتابة بضمير المتكلم الفرد وليس ضمير الجماعة، أي القول: (أعتقد) بدلًا من نعتقد، (قلتُ) بدلًا من قلنا ونقول، و(أرى) بدلًا من نرى. إن الغالب على الخطاب العربي التحدث والكتابة بلغة الجماعة، وكأن كل كاتب هو ممثل الجماعة الرسمي والناطق بلسانها، أي أن الكاتب -والحديث هنا عن ظاهرة في الثقافة العربية يخلو من الإطلاق- ما زال يتقمّص وهمًا بوصفه ممثل الجماعة- القبيلة.

ويختلط الأمر على كثير من القراء بما في ذلك كثير من الكُتّاب، في ما يتعلق بالقراءة الصحيحة، أو “فهم النص”، مثال ذلك أن كثيرا من مرسلات الخطاب المضمر في النص تنطلي علينا، أعني نفسي وغيري من القُرّاء، فحين يستعمل الكاتب الأفعال الظنية (أعتقد، أظن، يُخَيّل لي) ومفردة تقليل اليقين (ربما) لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بإطلاق تلقٍّ يقينيٍّ مؤيد أو رافض، لنَصِّ الكاتب. لأنه -أي الكاتب- أغلق علينا نحن قرّاءه باب اليقين، ولم يبق بأيدينا حجة يقينية ندافع بها عنه أو نختلف اختلافًا جذريًّا معه.

هناك مثال يلحّ عليّ بسبب انتشاره بين النخب كافة، ألا وهو النظريات التي أوجدها مستشرقون وكُتّاب محلّيّون، في ما يخص نسب مجموعات إثنية بعينها لأقوام خرجت من مسرح التاريخ قبل الميلاد، هذه النظريات التي لو تأملها مَن يعيش في مجتمعاتنا وقضى سنوات يحفر في تاريخها الاجتماعي، فسوف يصل إلى نتيجة مفادها أننا عبارة عن شعوب أبعد ما نكون عن النقاء العرقي، فالتزاوج أولًا، والانتقال من ريف أو بادية أو جبل إلى مدن بل والتنقل بين المدن؛ يُحتّم الاختلاط والتزاوج، فكيف يمكن الزعم بأن مجموعة سكانية لأنها تعيش في منطقةٍ ما كانت واحدة من الأقوام القديمة التي خرجت من مسرح التاريخ قبل الميلاد أو بعده بقرون؟! أقول كيف يتم نسبها لمجرد أنها اليوم تُشكّل غالبية في تلك المدن أو البلدات أو الأرياف، بينما وثائق التاريخ القريب -وليس البعيد- تحدثنا عن أقوام آخرين كانوا يشكّلون غالبية قبل قَرن أو قَرنين أو عدة قرون؟!

10