الكتابة بدرجة التقاعد

لا تبدو مسألة "التقاعد" في الكتابة أمرا سارا أو مفهوما كليا خارج إطار التوصيف الاجتماعي المشار إليه، وفي أحيان كثيرة لا تبدو حياة “التقاعد” عن الكتابة بين الكتّاب واردة.
الخميس 2018/03/22
فكرة الاستمرارية في الكتابة إلى النهاية كسرتها آليس مونرو

في وقتٍ سابق أعلنت النوبلية الكندية آليس مونرو “تقاعدها” عن الكتابة القصصية معللة مثل هذه الخطوة بأنها تشبه أن يصير المرء اجتماعيا جدا عند طرف الحياة غير المناسب.. ولأن هناك مرحلة يفكر فيها الإنسان في حياته بشكل آخر، وهذا تعليل متداخل، ليس وظيفيا بالنتيجة، لكنه يشير إلى طاقة اجتماعية ثانية بعيدة عن الإبداع هي ما يفتقدها الكاتب طوال حياته حينما ينشغل بالكتابة والخيال والتأليف، كما لو كان قد ابتعد ثمانين عاما عن الواقع والحياة.

بالنسبة إلى آليس مونرو التي وجدت بعد الشهرة الفائقة التي حصلت عليها والجوائز الكثيرة التي حازتها (نوبل 2013) أنّ بها حاجة إلى أن تبتعد عن “خيال” التأليف وتعود إلى “واقع” الحياة التي ابتعدت عنها بسبب الكتابة. “التقاعد” كمفهوم اجتماعي يتعلق بالوظيفة وفي مرحلتها المتقدمة، ويوصف المتقاعدون بأنهم كبار بالسن ممن أدركهم العمر وباتوا عرضة للأمراض وفقدان الذاكرة.

ولكن لا تبدو مسألة “التقاعد” في الكتابة أمرا سارا أو مفهوما كليا خارج إطار التوصيف الاجتماعي المشار إليه، وفي أحيان كثيرة لا تبدو حياة “التقاعد” عن الكتابة بين الكتّاب واردة، ولكن قد تكون هناك معوّقات مَرَضية قوية تؤخر من إنتاج الكاتب أو تمنعه من الكتابة، وربما الدخول في مرحلة الشيخوخة الجسدية ومضاعفاتها المرضية وما تخلّفه من هزال في المخيلة وما تتركه في الذاكرة من نسيان، فهذا أمر يمكن أن يكون مفهوما إلى درجة معقولة، ويتم استيعابه بطريقة شفافة، ولكن عندما يقرر الشاعر أو الروائي أن يتقاعد عن الكتابة والعزوف عنها فهذا أمر فيه أكثر من تساؤل وهو إشكال يعيد إلى الأذهان مقولة “الكاتب يكتب حتى الموت”. وهذه فكرة أمينة في تجسيد حياة الكتّاب الذين تركوا الكثير من نوافذ الحياة ومتعها الوافرة، وصمموا على البقاء في نافذة الكتابة إلى آخر الأشواط الحياتية.

فكرة الاستمرارية في الكتابة إلى النهاية كسرتها آليس مونرو، لأن هناك مرحلة يفكر فيها الإنسان في حياته بشكل آخر، وهذا يشير إلى الاجتماعي المنسي أكثر من إشارته إلى الأدبي المفتوح الذي لا خارطة له، إذ لا يبقى الاجتماعي دائما على مساحة واحدة من الكتابة.

ويشابه آليس مونرو الروائي الأميركي فيليب روث، الحائز على جوائز مان بوكر وفوكنر الأميركية وسميث البريطانية. اعتزل الكتابة وهو في قمة عطائه الأدبي وبقي يعيش على القراءة والتأمل. حتى من دون تبرير “اجتماعي” كما فعلت مونرو. لكنه بخبرة الكتابة التي ظلت مختمرة لديه قال في لقاء صحافي إنه أراد أن يعرف إن كان قد أضاع وقته في الكتابة، ومثل هذا التأمل الذي يحاور الثمانين عاما التي هو فيها، ينطوي على مخارج وتبريرات معقولة في فهم العمر الطويل الذي مضى في الكتابة، وبقي التأمّل “الآخر” الذي لم يحضر في الكتابة رهين الذاكرة التي خفّ فيها ثقل الكتابة، لكن ازداد وزن الحياة اجتماعيا.

ومع أن المثالين اللذين ذكرتهما لا يعاني صاحباهما من خلل مرضي أو زهايمر في الذاكرة، إلا أن المنسي طوال عمر الكتابة هو الاجتماعي الذي أنضجته الكتابة حتى لو في وقت متأخر، وسيتبعهما مؤخرا الروائي ريمو كامبيرت الذي أعلن توقفه عن الكتابة بشكل نهائي من دون بيان أسباب كبيرة سوى أنه كتب كثيرا في حياته وأنه متعب.

ومثل هذا الإجهاد الفكري الذي ضرب كامبيرت في ثمانينات عمره أمر طبيعي، فالنشاط العقلي الإبداعي الذي يعاني من إفراغ الذاكرة يحيل إلى الصمت، وهو صمت لسنا قادرين على فهمه سوى مَن توازن فيه الأدبي والاجتماعي ليعلن استراحة أخيرة في هذا المشوار المتعب الطويل؛ فهل تموت المخيّلة في هذا العمر، أم تتجه إلى صفائها الأول الذي فقدته في كل (عمر) الكتابة؟

14