الكتابة بدرجة الحب.. والتعاسة أيضا

في حالة همنغواي لا بد من ظرف "الحب" ليكون دافعاً للكتابة وإنتاج المعرفة السردية، وفي ظرف "التعاسة" يكتب يوسا لمحاربتها حتى يُخرج الكتابة من محبسها.
الخميس 2018/05/03
الكتابة لدى توني موريسون عمل شاق

تجربة الكتابة بشكلها العام عسيرة وشاقة، وهي تجربة فكرية مضنية متراكمة وخبرة متداخلة ليست سهلة كما نعرف، والكتابة بأجناسها المتعددة عملية هضم وإنتاج معرفي غاية في الدقة والجمال والمسؤولية، فالهضم المعرفي ليس قراءة سلسلة طويلة من الكتب والوقوف على جبال وكهوف ودهاليز من المعارف الإنسانية بقدر ما هو عقد صِلات مباشرة مع الحياة بشتى منافذها المفتوحة والمغلقة وبمختلف عناوينها ليتم الإنتاج المعرفي الجديد بضوء تحليل جديد ورؤية جديدة وإسهامات يمكن أن تكون مبتكرة إلى حد جيد. وهذا ما درج عليه كتّاب بارعون هم صنّاع الجمال والحياة والمعرفة الثرية.

الكتّاب والمثقفون والأدباء منهم يفلسفون الرؤية الجمالية للكتابة كل بطريقته ورؤياه واستعداده الشخصي لرسم المناخ الجمالي تحت وطأة تداعيات الكتابة؛ فإذا كان أرنست همنغواي يرى أن أفضل الكتابة هي عندما تكون في حالة حب، فإن ماريو فارغاس يوسا يرى أنه غير سعيد وأن الكتابة طريقة لمحاربة التعاسة، فيما يرى ماركيز أن الكتابة مجرد نجارة وحفر، وترى توني موريسون أن الكتابة عمل شاق لهذا يجب أن نغتسل مرتين.

وفي كل هذه الإجمالات البرقية سنرى تقاطعات ظاهرية وربما شكلية تشفّ عن “حالة نفسية” لهذا الكاتب أو ذاك، لكن الجوهر الداخلي واحد في طريقة النظر إلى العملية الإبداعية والمعرفية بكيفية استشفاف أو ابتكار روح الكتابة تحت مختلف المستويات الروحية والنفسية وما يصاحبها ظاهريا من أجواء اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية عامة تلقي بتأثيراتها بكل وسيلة على الكاتب، فتشكّل إضافة تالية لمنجزه الإبداعي، لذلك نرى ما يشبه التناقضات الطبيعية في تأصيل مفهوم الكتابة وظرفيتها الشخصية، ففي حالة همنغواي لا بد من ظرف “الحب” ليكون دافعاً للكتابة وإنتاج المعرفة السردية، وفي ظرف “التعاسة” يكتب يوسا لمحاربتها حتى يُخرج الكتابة من محبسها، ويعترف ماركيز بأن “النجارة” من حِرَف الكاتب ولا تستوجب غير ذلك، بينما تبالغ موريسون وتطالب بالاغتسال مرتين لأن الكتابة عمل “شاق”.

من كل هذه البرقيات الحروفية والصورية سنجد عسر الكتابة ومشقتها وأهميتها أيضا، وهي برقيات موجّهة إلى القارئ على الأغلب الأعمّ، ذلك القارئ الذي يجد وقته المتاح في القراءة من دون أن يتبصّر تلك العذابات الداخلية التي يواجهها الكتّاب، ومن دون أن يستغرقه الوقت الكبير في القراءة قياسا إلى زمنية الكتابة الشاقة التي يوليها الكاتب عناية كبيرة ليخرج بالحصيلة السردية والشعرية التي يجب أن تكون “متكاملة” الأركان بفنيتها وجماليات إخراجها الإبداعي. لكن هذا “التكامل” يبقى ناقصا في الأحوال كلها، فالعملية الإبداعية؛ وهذا ما نعرفه كلنا؛ لا تقف عن سقف محدد ولا عند كاتب واحد ولا في ظاهرة حداثية لافتة للأنظار، إنما العملية هي فاعلية إبداعية زمنية مستمرة يشارك بها الجميع من المبدعين في أرجاء الأرض.

اختيارنا لفضاءات أربعة مبدعين كبار له ما يبرره على صعيد تشكيل رؤية صورية للحالات النفسية التي تنتاب الكتّاب في درجات غير متساوية من الرؤية للشق الإبداعي لديهم، حتى لتبدو متناقضة تماماً، لكن الهضم المعرفي عند كل هؤلاء النوبليين يتفوّق على الكثيرين من أقرانهم السرديين في مختلف الأزمنة، وهذا من دواعي النقد المعروف لأعمال هؤلاء الذين حازوا على درجات نقدية متقدمة في آثارهم الإبداعية. وما الحالات النفسية التي نجدها في مثل هذه الشذرات اللمّاحة إلا عبارة عن ضغط لغوي ونفسي وروحي أيضا لتأكيد حكمة الكتابة، وبالتالي هي معرفة منتجَة إبداعيا بشكل رواية أو قصيدة أو دراسة أو جمالية ليس مهمّا ماذا يكون عنوانها.

14