الكتابة بعيدا عن المدن

في عالمنا العربيّ الكتّاب والشعراء يخيّرون العيش في المدن الكبيرة، وفي العواصم. وربّما لهذا السبب تكثر المشاحنات والمعارك بينهم، فتتسمّم الحياة الثقافيّة لتصبح خالية أو شبه خالية من الإبداع الحقيقيّ.
الثلاثاء 2018/05/01
الطبيعة المتوحشة تمنحنا الحكمة

مؤخرا قرأت تحقيقا مثيرا عن كتّاب أميركييّن اختاروا العيش في الطبيعة المتوحّشة مثلما فعل الشعراء الصّعاليك في العصر الجاهلي. ويعيش هؤلاء في أكواخ خشبيّة من دون كهرباء، ويشربون الشاي بالقرب من الدببة الرماديّة الشرسة، ويقضون فصول الشتاء القاسية من دون احتكاك بالعالم.

ويبدأ التحقيق بوصف هذه المجموعة الصغيرة من الكتاب وهم يحفرون قبرا لصديقهم الذي توفي مُوصيا إيّاهم بأن يتمّ دفنه من دون مراسيم، ومن دون صلوات، ومن دون دموع. وكان حفر القبر في الأرض أمرا عسيرا للغاية. وقد استمرت عمليّة الحفر وقتا طويلا من دون جدوى. لذلك أخذت العقبان والطيور الجارحة تحلّق فوقهم مهدّدة بالهجوم على جثّة صديقهم إدوار أباي المولود عام 1927.

وقد اختار إدوار منذ البداية أن يكون رافضا للحضارة المادية، كارها العيش في المدن الكبيرة. وفي سنوات شبابه، انطلق إلى الغرب الأميركي ومنه لن يعود أبدا.

ومن وحي إقامته وسط الطبيعة المتوحشة، ألّف كتابا حمل عنوان “الصحراء المتوحّدة“، وفيه يتغنّى بالمشاهد الطبيعيّة قبل أن تفسدها الطرقات السريعة، وقبل أن يأتيها الباحثون عن إقامة مدن صناعيّة. ولم يكن إدوار أباي يتردد يواجه بالسلاح جميع الذين يحاولون الاقتراب منه لإفساد عزلته.

وكان بات فروم الذي يعتبر من أفضل الكتاب الأميركيين راهنا قد غادر المسيسيبي حيث كان يعيش ليستقرّ في الغرب. وذات يوم وجد نفسه أمام واد كان لونه بين الأزرق والأخضر. وفي الحين فتن به. وهو يقول إن حماية الطبيعة المتوحشة باتت أمرا ضروريّا في الوقت الراهن. فالحضارة المادية شوّهت المدن، وشوّهت الأرياف أيضا.

والأماكن التي لم يُصبها ضرر هذه الحضارة أصبحت نادرة للغاية في العالم بأسره. لذا لا بدّ من حماية هذه الأماكن لأنها الوحيدة التي تسمح لنا بأن نقف على هشاشة الحياة البشريّة.

ويقول فروم إنه يحلم دائما بأن يرى نفسه يسير في أرض متوحشة بشكل مطلق تقريبا. فلا طرقات ولا سكان ولا أيّ شيء آخر، لأن الطبيعة المتوحشة تمتلك بالنسبة له ما نحن بحاجة إليه، أي الحكمة.

والكتابة بعيدا عن المدن كانت تستهوي الشاعر والناقد المرموق إزرا باوند الذي كان يسمّى من قبل أصدقائه بـ“وزير الثقافة الأوروبيّة من دون حقيبة“. ويعود ذلك إلى الدور الهائل الذي كان يلعبه في مجال تحريك وتفعيل الثقافة المذكورة.

وكان إزرا باوند يتقن الطبّخ، ويعدّ أثاث بيته بنفسه. ولم يكن يغفل أبدا عن مدّ يد المساعدة لأصدقائه من المبدعين، وحتى لمن لم يكن على علاقة بهم. وذات مرّة بعث بنظّارات طبّيّة إلى جيمس جويس عندما كان هذا الأخير في مدينة “ترياست” الإيطاليّة. بل إنه جمع مبلغا من المال ساعد صاحب “أوليسيس” لكي يجتاز المصاعب الماديّة التي كان يمرّ بها.

 وكان إزرا باوند ينصح أصدقاءه بالعيش في الريف بعيدا عن المدن الصّاخبة، المكلفة مادّيا، والتي تجبر المبدع على إضاعة وقته الثّمين في المهاترات الفارغة.

وهناك العديد من الكتّاب والشعراء في أوروبا وفي أميركا فضّلوا العيش في الأرياف، وفي المدن الصغيرة. وهذا ما فعله الشاعر الفرنسي الكبير رني شار الذي غادر باريس في السنوات الأخيرة من حياته ليعيش في قرية صغيرة بجنوب البلاد.

أمّا في عالمنا العربيّ، فالكتّاب والشعراء يخيّرون العيش في المدن الكبيرة، وفي العواصم. وربّما لهذا السبب تكثر المشاحنات والمعارك بينهم، فتتسمّم الحياة الثقافيّة لتصبح خالية أو شبه خالية من الإبداع الحقيقيّ، ومن القيم النبيلة مثل الصداقة والمحبّة والتّضامن وغير ذلك.. وهذا هو الحال في تونس حيث يتجمع أغلب المثقفين والكتاب في نفس المطاعم والمقاهي يوميا تقريبا. وفي البداية تطغى المجاملات والإخوانيات لتكون متحكمة في الجلسات.. لكن في ما بعد يمكن أن يحدث ما لا يمكن أن تحمد عقباه.

14