الكتابة بين قناع الحرية وشبح الرقابة في زمن التوحش التكنولوجي

شعرية التوحش التكنولوجي تلعب دورا في خلخلة جماليات المرئي وفي الوقت نفسه تعمل على تثوير بنية السرد الروائي.
الثلاثاء 2019/05/21
تسونامي تكنولوجي غير الأدب والعالم (لوحة للفنان محمد عبدالرسول)

صار من البديهي اليوم التسليم التام بسطوة التكنولوجيا الحديثة على حياة الإنسان وعلى إبداعاته، فالأدب مثلا تأثر بشكل كبير، لا في شكله ومحامله فحسب، بل وأيضا في لغته ومتونه ومواضيعه. كل لغات العالم اليوم باتت عرضة للاختراق، ولدول مفردات جديدة بشكل برقي، وبالتالي تغيرت لغة الشارع ومن خلفها لغة الأدب.

من رواية “برق الليل” للبشير خريف إلى “المشرط” لكمال الرياحي، ومن “مدارات الشرق” لنبيل سليمان إلى “عزلة الحلزون” لخليل صويلح، ومن “اللاز” للطاهر وطار إلى “نادي الصنوبر” لربيعة جلطي، ومن “زقاق المدق” لنجيب محفوظ إلى “السايكلوب” لإبراهيم عبدالمجيد، ومن “الخبز الحافي” لمحمد شكري إلى “ممر الصفصاف” لأحمد المديني، ومن “رباعية البحيرة” ليحيى يخلف إلى “حرب الكلب الثانية” لإبراهيم نصرالله، ومن “السبيليات” لإسماعيل فهد إسماعيل إلى “ساق البامبو” لسعود السنعوسي… تجارب على تجارب، كتابة على كتابة يبلعها التوحش التكنولوجي، نصوص تواجه التخلف الاجتماعي والديني والسياسي، وتسعى لبناء سرد جديد متماه مع إيقاع العصر بعنفه التكنولوجي القادم داخل تسونامي الرأسمالية المتوحشة، من جهة أخرى.

لقد تغير إيقاع الكتابة كثيرا كما تغير إيقاع العالم أكثر، في ظل الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم المعاصر والتي خلقت ما يمكننا تسميته بـ“شعرية التوحش التكنولوجي”.

شعرية التوحش

دخل العالم المعاصر في زمن “شعرية التوحش التكنولوجي” المثير، حيث يوما بعد آخر تَتَجَاوَرُ بنية الإدهاش الخرافي وبنية الشيء الملموس في معادلة غربية يتماهى فيها اللامعقول بالمعقول، الجميل بالمفيد.

اللامعقول، أو الذي كان بالأمس لامعقولا، ينسحب أمام زحف المعلوماتية المتجددة جيلا بعد جيل، ليدخل في باب المعقول والعادي. هذا الانقلاب المتسارع بوتيرة جنونية يتموقع داخل الذات الإبداعية الروائية من خلال تموقعه في المجتمع، حيث الذكاء الاصطناعي ينافس الذكاء البشري، وبذلك تأخذ الاكتشافات التكنولوجية المذهلة مكانها في اليومي الاجتماعي العادي وفي الثقافي العام وداخل السردي الروائي.

تلعب شعرية التوحش التكنولوجي دورا في خلخلة جماليات المرئي (زمن الصورة) وفي الوقت نفسه تعمل على تثوير بنية السرد الروائي، فكلاهما مرتبط بالآخر، يؤثر ويتأثر، فلا رواية دون مُشَاهَدَة، لأن المُشاهَد أي المرئي هو جزء أساسي في السرد، والسرد لا يعتمد اللغة فقط بل العين أيضا (ثقافة وشعرية الصورة).

لقد أحدثت شعرية التوحش التكنولوجي انقلابا في سُلّمِ القيم الجمالية السردية الروائية خلال العشريتين السالفتين، إذ غيرت كثيرا في “فلسفة الزمن السردي”، فلم يعد الزمن الجديد كما كان في القرن الثامن أو التاسع عشر أو العشرين، وسائل الاتصال خلخلت “الوحدة الزمنية”، وبتغير هذه الوحدة تغير آليا العالم من خلفها، وحدث انقلاب في الكتابة.

لقد أحدثت شعرية التوحش التكنولوجي أيضا زحزحة في مفهوم الجغرافيا أو الفضاء السردي أي “الوحدة المكانية” حيث أصبح ممكنا وبكل بساطة توسيع هذا الفضاء أو تحجيمه لما تقدمه التكنولوجيا من إمكانيات تسخر الخيرات المعرفية بوفرة وبشكل سريع ومذهل ودقيق للروائي، وتغير مفهوم “الرحلة”، وتغير مفهوم “الجغرافيا”، واتخذ “المكان” بعدا آخر.

كما أحدثت شعرية التوحش التكنولوجي ثورة في المعارف التي يقدمها السرد الروائي، حيث أصبحت الموسوعات في متناول الروائي يستفيد منها، وعلى المباشر، بنقرة بسيطة أو بلمسة واحدة ناعمة، فالخيرات المعرفية متوافرة ويمكن للروائي أن يغرف منها متى شاء وكيفما شاء. لذلك، يوما بعد آخر، نصا بعد آخر، يجد القارئ الجديد نفسه أمام رواية مثقفة تحوي معارف كثيرة، وأمامها تنسحب البلاغة الوصفية لصالح البلاغة الفلسفية والوجودية الثانية في عصر القلق والأمراض الجديدة والاختراقات الجديدة والخوف المعاصر.

اغتصاب بالتراضي

العالم المعاصر دخل في زمن "شعرية التوحش التكنولوجي" المثير (لوحة: الياس إيزولي)
العالم المعاصر دخل في زمن "شعرية التوحش التكنولوجي" المثير (لوحة: الياس إيزولي)

هذا الانقلاب السوسيو-تكنولوجي خلخل بنية اللغة المستعملة في السرد الروائي، وغيّر من مفهوم شعرية السرد، جميع اللغات في العالم من العربية إلى الإنكليزية مرورا بالفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرها تتعرض يوميا لاختراقات لغوية من محيط لغة أخرى، تغير مفهوم الغريب اللغوي، وتوسع مفهوم الضيافة اللغوية.

كل لغة تتعرض، في كل دقيقة، في كل نص، إلى ما يمكن أن نسميه بـ”الاغتصاب” اللغوي الذي تفرضه شعرية التوحش التكنولوجي التي بلا ضفاف، فقد فقدت جميع اللغات عذريتها، بل إنها أضحت تغتصب على المباشر، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “الاغتصاب بالتراضي”، الاغتصاب المفروض والحتمي، إذ لا يمكن للغة أن تعيش بعذريتها إلا إذا كانت لغة ميتة أو لاهوتية.

اللغة العربية التي يتراسل بها الناس على وسائل التواصل الاجتماعي هي لغة جديدة، من حيث تراكيبها وموسيقاها ونحوها وصرفها ومن حيث استعمال حروف أجنبية في داخل رسم بعض الكلمات العربية، بل الكتابة في كثير من المرات النص العربي بالحروف اللاتينية، كل هذا ومع مرور الزمن يشكل تراكما في ذاكرة اللغة، وقد بدأ فعليا في التسلل إلى النصوص الروائية سواء “الرواية الرقمية” أو“الرواية التفاعلية” أو“الرواية الورقية”، وهو ما نلمسه اليوم وبشكل واضح في كثير من التجارب الروائية العربية والمغاربية. فالتكنولوجيا التي نستند إليها في التأسيس للنص السردي توفر تقاطعات لغوية كثيرة، فاللغة الأم في السرد، كالسرد بالعربية، تجد نفسها أمام سيل من اللغات والقواميس والعلامات والإشارات القادمة من رحم لغات أخرى، إذن فلغة السرد تكبر وتتنوع وتتوالد وتتأسس داخل غابة من اللغات الخفية أو المعلومة، وهي بوعي أو بلا وعي تمارس تأثيرها على اللغة الساردة موسيقى وبنية.

دون شك، فقد فتحت شعرية التوحش التكنولوجي الباب أمام الحرية، فانسحبت الرقابة الكلاسيكية التقليدية، الرقابة على حركة الكتب والأفكار، فالكتب تعبر الحدود الجغرافية افتراضا والأفكار تهاجر دون دمغة رقيب الجمارك والبوليس، بل لم يعد للحدود الجغرافية وجود مادي، إنه وهم تعيشه الأنظمة “الوطنياتية” التي تمارس الأبوة السياسية والأخلاقية على شعوبها.

لقد أصبح بمقدور الروائي أن يحمل مكتبة في “لوحته” الإلكترونية، مكتبة بالملايين من الكتب، وما عاد بمقدور الأنظمة الدكتاتورية منع أي واحد من الاطلاع على هذه الخيرات المعرفية، لكن مع ذلك فهذا لا يعني بأننا تحررنا، فقد انتقلنا من “رقابة كلاسيكية” إلى رقابة متوحشة ناعمة.

لقد أصبحت حياتنا برمتها تحت الرقابة المستمرة من قبل كاميرات الأقمار الاصطناعية التي تتابعنا من السرير إلى المرحاض، فكل ما نكتبه أو نبعث به عبر شبكات التواصل هو مراقب ومخزن في جهة ما، نمشي في الشارع أو نركب طائرة أو نجلس في مقهى فنحن تحت تسجيل كاميرا ما، وبالتالي فالحرية التي نعيشها هي ظاهرية والرقابة التي نخضع لها هي رقابة “معاصرة” مشددة ونحن لها خانعون.  

في ظل شعرية التوحش التكنولوجي هذه، ومن خلال مغامرة السردية الروائية المعاصرة ستلتقي لا محالة، ذات لحظة، سحرية وأسطورية “السجاد الطائر” كما هي في سرديات ألف ليلة وليلة بأسطورية وسحرية التكنولوجيا الجديدة، لنتساءل: أين هي حدود العجائبي وأين هي حدود التكنولوجي؟

15