الكتابة ثورة مستمرة قد تؤدي إلى الدكتاتورية

التكنولوجيا تنزع الأوراق والأقلام من الكتّاب والقراء وتهدد جهازهم الإدراكي.
الجمعة 2021/02/19
التخلي عن الكتابة اليدوية قد يكون خطيرا

ما فتئت الكتابة، بمفهومها المخطوط يدويا، تشهد تحولات مستمرة منذ الرسوم الأولى على جدران المغاور والحفر على ألواح الطين والرسم على ورق البردي والخطّ على جلود الحيوان والرقاع، قبل اختراع المطبعة. وكانت في مراحلها تلك تيسر تواصل الإنسان مع غيره ونقل أخباره ومعارفه وعلومه، ولكنها مع انبلاج فجر الثورة التكنولوجية الأخيرة توشك أن تعلن موتها، لتحل الآلة محلها.

لئن نابت المطبعة عن الإنسان في استنساخ الكتب، ووفرت عليه جهدا عظيما دون أن تلغي الكتابة اليدوية، فإن الوسائل التكنولوجية الحديثة قدّمت له خدمات جليلة غير مسبوقة، ولكنها صارت في الوقت نفسه تدفعه إلى التخلي شيئا فشيئا عن الورق والقلم.

التكنولوجيا ولّدت تقاليد جديدة في التعامل مع المكتوب، وفتح الباب أمام نيّة إلغاء تعليم الكتابة بالقلم نهائيا، كما هي الحال في فنلندا وفي بعض الولايات الأميركية.

الكتابة والتأقلم

Thumbnail

بعض الخبراء يرى أن الأجيال الجديدة قادرة على الإمساك بالتقنيات الحديثة وتملّكها دون أن يفقدها ذلك الإلمامَ بقواعد الكتابة والقراءة، بل إنّ الإلمام بها هو اليوم شرط من شروط الحياة العصرية، بينما يلحّ آخرون، العلماء بخاصة، على أهمية المهارة الحركية الدقيقة للنظر إلى الكلمات ككيانات، ويؤكدون أن تعلم الكتابة على الراقنة يقلل من قدرة المتعلم على تبين الأحرف، ما يجعل القراءة أكثر بطئا وأكثر استنفادا لطاقات الدماغ.

 ويرى هؤلاء أنه لا يعقل أن نحرم المتعلمين من الكتابة اليدوية، لما لها من دور في الحياة العملية، لاسيما أن التكنولوجيا ليست متوافرة لدى الجميع، ولا يعقل أيضا أن نعرّض الأطفال لتجارب غير محسوبة العواقب.

لقد غيرت المطبعة منذ القرن الخامس عشر طبيعة النصوص، ولكن التكنولوجيات الحديثة غيرت طريقتنا في الكتابة، فالنص لا ينتهي ما لم يُطبع، إذ يمكن العودة إليه للإضافة والتصويب والتعويض وتقديم فقرة وتأخير أخرى، وهذا يفتح إمكانات جديدة، فالنصوص القصيرة أو العارضة التي تنشر على الإنترنت أو في المواقع الاجتماعية يمكن العودة إليها لجمعها في مصنّف قد يكتسي أهمية لدى الدارسين.

وأمام تراجع المجلات المتخصصة وغير المتخصصة، وجد بعض الباحثين في الشبكة مجالا لنشر بحوثهم ودراساتهم. بل إن بعض المواقع مثل الورّاق في ما يخص التراث العربي أو غاليكا في ما يتعلق بالتراث الغربي كوّنت بفضل الإنترنت رصيدا هائلا من المطبوعات لا يسع العمر كله لقراءة عشرها.

المطبعة غيرت منذ القرن الخامس عشر طبيعة النصوص ولكن التكنولوجيات الحديثة غيرت طريقتنا في الكتابة

صحيح أن الفيديو صارت تنافس المكتوب، فالصحف نفسها تستعين بها وكذلك محطات الراديو، وحتى التعليم عن بعد في شتى المواد الدراسية والتثقيف في مختلف مجالات الحياة، ولكن لا يمكن بحال الاستغناء عن المكتوب بخط اليد، لأن الإنسان عادة ما يمسك القلم ليسطر أو يعلق على هامش ما يقرأ، والكتاب في صيغته الورقية يسمح بتطوير الأفكار على مدى يناسب قدراته، لأنه يستوعب المعلومة حسب وتيرته الخاصة، وهو ما يتوافر بدرجة أقل في علاقته بالكتاب الرقمي.

غير أن بعض الخبراء يعتقدون أننا لا يمكن أن نقف أمام سنن التطور، وأن الكتابة في شكلها الحالي مدعوة إلى التأقلم مع التكنولوجيات الحديثة، لأن الكتابة تطورت على مرّ التاريخ دون أن تأخذ شكلا نهائيا، ولا بدّ لها إذن أن تواصل تطورها.

 لقد غيرت الطباعة طريقة الكتابة والتفكير ولكن ذلك التغيير استغرق نحو قرنين قبل أن يتملكه الإنسان نهائيا. ونحن نشهد منذ مطلع الثمانينات التغيير الذي أحدثته التكنولوجيات الجديدة من جهة الكتابة والصياغة وأنماط التعليق، كما هو الشأن في المواقع الاجتماعية.

كما زال شيئا فشيئا المنطق القديم الذي كانت تقوم عليه الكتب، فالصفحات تتوالى دون أن يحتاج المرء إلى توريقها أو قلبها، والوصول إلى المراد لم يعد يمر عبر الفهارس بل صار رهين لوغاريتمات البحث. وقد يقود تعميم الوسائط الجديدة إلى تفكيك النصوص في شكلها الحالي لتركيبها وفق منطق جديد يقوم على الترادف والأفكار والكلمات المفاتيح.

تحذير من الرقمية

Thumbnail

أمام كل ذلك يبرز رأيان يحذّران من عواقب هذا التغيير الجذري، أحدهما يخص تعميم الوسائط التكنولوجية الحديثة عبر العالم، والثاني يخص الاستعاضة عن الكتابة اليدوية بالراقنة منذ سن الطفولة.

الأول أن الوسائل الحديثة أقامت لأول مرة في التاريخ نوعا من القرية المعولمة والفورية، ما خلق مشاكل جديدة كمجانية الاستخدام وحماية حقوق المؤلفين وأمن المعطيات الفردية، ولكن الأكثر خطورة هو أن أقلية من الخبراء فقط تسيطر على التكنولوجيات المرتبطة بالقراءة والكتابة، ما يهدد بظهور دكتاتورية ثقافية لا تخضع لمراقبة الدول، لاسيما أن ثلثي عمليات البحث اليوم تتم بواسطة غوغل، محرك البحث الذي حاز موقعا مهيمنا منذ 1998، وأن تنوع خدماته المجانية تتزايد بشكل ينمي الخوف من ظهور “أخ أكبر” يراقب كلّ شيء.

 كما أن بروز بعض الشركات العملاقة المتخصصة في النشر والتوزيع، مثل أبل وأمازون، وهيمنتها على السوق العالمية من خلال منصات تربط المنتج أي الناشر، بالمستهلك أي القارئ، قد تفرض شروطا تحدد ما يصلح نشره وترويجه، لكونها تتعامل مع الثقافة كبضاعة مثل سائر البضائع الأخرى. أضف إلى ذلك أن الشركات الكبرى التي تقوم ثقافتها على التجديد التكنولوجي غربية بالأساس، ما يعني أن الثورة الرقمية قد تخدم مصالح الشعوب المتقدمة، وتتغافل عن سواها وبذلك تعمق التفاوت الثقافي عبر العالم.

وأما التحذير الثاني فهو أن المتخصصين في علوم الأعصاب يؤكدون أن استعمال الكتابة والقراءة عبر اللوحات والكمبيوترات والهواتف الذكية فيه مخاطر على الجهاز العصبي، فأدمغتنا تشكلت منذ آلاف السنين على الكتابة المخطوطة بيد مهيمنة هي اليمنى في الغالب، وانبنى عبر مراس طويل مسارٌ عصبيّ معقّد يربط مناطق اللغة والتفكير بمناطق الحركية الدقيقة لليد، ما جعل أجزاء كثيرة من النظام المحرك لنصف الكرة المخية المتصلة بتلك اليد (الأيسر بالنسبة إلى مستعملي اليد اليمنى) مسكونة ببرامج محركة تحفظ أثر الحركات المكتسبة لتشكيل الحروف، وهو ما يفسر لماذا تصبح الكتابة آلية.

قراء الشاشة يفلحون بدرجة أقل من قراء الورق في الإمساك برهانات نص ما، إذ يستوعبون ملمحه أفضل

 بيد أن ذلك المراس يؤثر كذلك على المسارات العصبية الخاصة بالقراءة، فعندما نقرأ لا نستدعي فقط الحيّز البصري، بل نعيد إنتاج حركات الكتابة في مناطقها الحركية، كحركة إدراكية تساعد على القراءة.

ولكن عندما نتوسل بالراقنة، فإننا نستدعي مسارات أخرى، فتزول اليد المهيمنة (لأننا نستعمل عندئذ كلتا اليدين)، ونقلع عن استدعاء الحركية الدقيقة لليد (لأننا نضغط على لمسة) فتصبح الحركة هي نفسها مع أي حرف، ولا تختلف إلا من حيث موقعها “الجغرافي” على لوحة المفاتيح. وفي رأي جان لوك فيلاي الباحث في مخبر علم الأعصاب الإدراكي بجامعة إكس مارسيليا “أن تحوير التدرب هذا يغير التمثلات الذهنية أو العقلية للغة وملكات القراءة وحتى الملكات الإدراكية بوجه عام”.

وقد دلت التجربة أن قراء الشاشة يفلحون بدرجة أقل من قراء الورق في الإمساك برهانات نص ما، إذ يستوعبون ملمحه الملموس بشكل جيد، ولكنهم يدركون أبعاده المجرّدة بدرجة أقل ممن قرأوا نفس النص على الورق.

فهل يعني ذلك أن الكتابة/ القراءة الرقمية تهدد الجهاز الإدراكي للـ”هومو سابينس”؟ يقول جان لوك فيلاي “ليست القضية رفض الكتابة على الراقنة، فلا شيء يسمح حتى الآن بالقول إنها تسبب ضياعا تامّا للدماغ، ولكننا على يقين أنها تغير شيئا ما. ينبغي فهم ماهية هذا الشيء قبل فرض التغيير على الأطفال”.

14