الكتابة رسالة؛ فكيف نكتب للأطفال

السبت 2015/09/12

كيف نكتب للأطفال؟ تبدأ الإجابة عن هذا السّؤال بالانطلاق من تمييز الكتابة الإبداعية الموجّهة للأطفال عن غيرها من مجالات الكتابة وحقولها؛ فالكتابة كتابات، وهي في المحصلة النّهائية رسالة ثقافيّة ذات موضوع، يوجّهها مرسل إلى متلقّ، عبر إشارات ذات مضامين تبثّها تشكيلات فنّية تتكوّن من متتاليات وبنى دالة تحمل مدلولات، وتفتح علاقات، وتضيء مغزى، أي إننا إزاء ثلاثة أطراف منخرطين في علاقة تفاعلية: “مرسل” و”رسالة” و”مستقبل”.

وطبيعي تماما أن تنتفي هذه العلاقة حين يغيب أحد أطرافها، والغيبة أو التغيّب فعلان يتصلان بالإنسان؛ بالمرسل وبالمستقبل (المتلقّي)، كما أنّ الرّسالة تتصل بالإنسان، مرسلا ومستقبلا، ومن هنا، فإنّ انتفاء العلاقة أمر يقرره طرفاها.

غير أنّ إدراكنا أنّ المرسل هو المبادر إلى إقامة العلاقة، لأنه راغب في إيصال فحوى رسالة ما إلى متلقّ بعينه، أو إلى مجموعة متلقين، يؤسّس لانبثاق حقيقة مؤداها أنّ المسؤولية الأعظم في بناء هذه العلاقة، والمحافظة عليها، وتطويرها، إنما تقع على المرسل المبدع، لأنه هو محفّزها والبادئ بفتحها، والمطالب بتوفير إمكانات المحافظة عليها، وتنميتها، ولأنّه هو وحده الملام على فشلها إن عجزت رسالته عن تأسيسها، أو تقاعست عن توفير ما يؤمّن بقاءها واستمرارها وتطورها.

هكذا يتوقف الأمر كلّه على قدرة المرسل على اكتشاف الإجابات الصّحيحة عن جملة من الأسئلة، لعلّ أهمها ما يلي: لماذا أنا راغب في توجيه رسالة ثقافية؟ وما فحوى هذه الرّسالة؟ ولمن سأوجّهها ؟ وما هي أبرز خصائص هذا المتلقي الذي أرغب في التّواصل معه، وفي إفادته وإمتاعه، وكسب تأييده لوجهة النّظر التي تحملها رسالتي؟ وكيف أنجز رسالتي بما يحقق حسن إيصالها، ويؤمّن قدرتها على إمتاع المتلقي وإفادته، وكسب تأييده وتحفيزه على البحث عمّا يعزّز انتماءه الفاعل لوجهة نظر، أو رسالة، صارت تنتمي إليه؟

تفتح هذه الأسئلة أبواب العملية الإبداعية على وسعها، وهي لا تتصل بالأعمال الإبداعية الموجّهة للأطفال فحسب، بل إنها تصدق على العملية الإبداعية عموما، ولكنّ هذه العملية الإبداعية تتمايز وتتباين بقدر ما تتمايز الإجابات عنها وتتباين، وذلك لأنّ تنوّع الغايات والرّغبات والأهداف والمضامين، وتباين المتلقين، وتعدد طرق الكتابة وأساليبها لدى الكتاب والمبدعين، تفضي إلى تعددية لافتة في الإجابات، وفي الخيارات الإبداعية.

وفي ما يتصل بأدب الأطفال، وبالرّسم الفني، أو بالكتابات والرّسومات الموجّهة للأطفال، ورقية كانت أو رقميّة،، فإنّ المبدع يتوقّف، أول ما يتوقف، عند البحث عن إجابة عن السّؤالين المتصلين بالرغبة/ النّيّة، وبالفحوى/ المضمون؛ ومن المرجّح أنّ نيّة المبدع أن يحمّل رسالته مضمونا ما، أو مغزى معيّنا، ولا تنفصل، بأي حال، عن الخصائص المتنوّعة، متعددة الحقول والمستويات، التي تميّز المتلقين الذين يتوجّه إليهم برسالته، كما أنّها لا تنفصل عن موقفه من موضوع رسالته، أو عن وجهة نظره إزاء هذا الموضوع، أو عن رؤيته الكلّية للعالم، أو عن هدفه من كتابة الرّسالة، وتوجيهها، مثلما لا تنفصل عن الأسلوب أو الطريقة اللذين سينتهجهما في كتابة هذه الرّسالة. إذا عثر المبدع على إجابة صائبة عن السّؤال الخاص بالدوافع الكامنة وراء رغبته في الكتابة للأطفال، يكون قد حدّد هدف الرسالة انطلاقا من دوافعه نحو كتابتها، ويكون، في الوقت نفسه، قد فتح باب الإجابة عن السّؤال الثاني؛ فيذهب من فوره إلى تحديد الفئة العمرية التي يتوجّه إليها، وإلى تعرّف الخصائص والسمات التفصيلية التي تميزها عن غيرها من الفئات، ولا سيما على المستويات الاجتماعية والفكرية والثقافية والنّفسية واللّغوية والتّخيليّة.

حين ينجح الكاتب في إدراك هذه الخصائص والسّمات عبر تفاعله الدّائم مع مجتمعه ومجاله الحيوي، ومن خلال ثقافته الواسعة، واطّلاعه المعرفيّ العميق على ما تتطلّبه الكتابة وما قد يستوجبه موضوع الرّسالة المراد توجيهها، وعبر إطلالته الشّاملة والمركّزة على عالم الطفل بتعدّد مجالاته، يكون قد فتح الطّريق واسعا أمام اختيار مادة الكتابة، وتجميعها، وتصنيفها، وتقييمها في ضوء معايير تنبع من تدقيق إجاباته عن الأسئلة التي حدّدناها قبل قليل، وذلك للتّأكد من صلة هذه الإجابات بموضوع الرّسالة، ومن مواءمتها للمتلقي، ومن قدرتها على خدمة الهدف المتوخّى تحقيقه عبر رسالة تنتمي إلى الفنّ والأدب لأنها تعتمد الإمتاع والإفادة، في آن معا، ومن دون أدنى تفريط بمقتضيات الإبداع الأدبي والفنّي الخلّاق.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16