الكتابة عن الحب

الاثنين 2016/10/10

في الكتابة عن الحبّ شيء ذاتي جميل ينبثق إلى الوجود ويُعلن عن حضوره في كلمات مختلفة. شيءٌ داخلي عميق يريد أن يرى العالم المحيط به كما يريد هو لا كما يريد أن يراه الآخرون. في الكتابة عن الحبّ إعلان قوي عن تجربة روحية/جسدية تتجاوز العادي والمعتاد لتصل إلى العمق، عمق الأشياء. من هنا فللكتابة عن الحب طاقة تَواصلية كبيرة تتجاوز الكاتب المبدع شاعرا كان أو ناثرا لتصل إلى المتلقي وتُؤثّر فيه بشكل قويّ. من هنا فما من كتابة إنسانية الأبعاد، في الأصل تخلو من الحب، وهي حتّى وإن خلت منه، فإن أطيافه تكون مُصاحبة لها كي تُدثرها بمائه العذب المُنساب في ثنايا الكلمات وعروق الحروف.

هكذا كتب الكُتّاب عن الحُبّ منذ بدء الكلام، ودبّجوا فيه الكثير من المؤلفات بدءا من هوميروس ومروراً بامرئ القيس ووصولا إلى بابلو نيرودا وليس انتهاء به أبدا. هذا الشاعر الكبير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وحاز على جوائز رفيعة في ميدان الكتابة وعلى رأسها جائزة نوبل للآداب التي نالها سنة 1971.

هذا الشاعر التشيلي العالمي الموغل في الشعر حتى النخاع والعاشق للحياة حتى آخر رمق، والمدافع عن القيم الإنسانية بشكل كبير، سيكتب أجمل شعر في الحب وسيخلّف قصائد باذخة الفتنة والجمال فيه، سيودعها ديوانه “مئة قصيدة حب”.

وإذا كان الشعراء هم الذين برعوا في الكتابة عن الحب، فإن الروائيين هم أيضا قد كتبوا عنه بالكثير من العمق وبالكثير من التفاصيل كذلك. وهو أمر جعل من أعمالهم الروائية تحظى بالكثير من الانتشار عبر ربوع العالم بأكمله. بل إن بعض الروايات العالمية الشهيرة قد احتفت بالكتابة عن الحب بدءا من عنوانها. نشير في هذا الصدد إلى رائعة الروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا” مثالا قويا على ذلك.

في الأدب العربي شعرا ونثرا تمّت الكتابة عن الحب، وبرع الكثير من الكتاب في الحديث عن تجاربهم فيه سواء الواقعية منها أو المتخيلة. فقد امتلأت كتابات جبران خليل جبران برؤية عميقة حوله تجلّت بالخصوص في كتابه “النبي”. كما امتلأت كتابات نزار قباني الشعرية به حتى لقّب بشاعر الحب. وهو أمر قام به أنسي الحاج كذلك وإن بشكل مختلف، بحيث تجلّى الحب في كتاباته الشعرية بهيّا وعميقا في ذات الآن، لا سيما في رائعته “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”. وعبّر عنه أيضا بنفس شعري درامي ممتد إلى اللانهاية الشاعر محمود درويش في ديوانه الجميل “أحبك أو لا أحبك”.

نجيب محفوظ أيضا توغّل في عالم الحب، وعنون به أحد مجاميعه القصصية المعروفة وهي المجموعة الحاملة لعنوان “الحب فوق هضبة الهرم”، كما توغّل في الحديث عنه كذلك الروائي عبدالرحمن منيف في روايته “قصة حب مجوسية”، وهو ما جعل منها تحفة أدبية قوية في مجال التعبير عن العواطف الإنسانية المرتبطة بالحب في أسمى معانيه.

هكذا يبدو الحب، وهو يتجلى في دواوين الشعراء وفي كتابات الروائيين، على اختلافهم، عالما موغلا في الإنسانية ومعبرا عنها بقوة. وهو ما جعل منه إحدى الثيمات الكبرى الحاضرة في الأدب عبر مختلف عصوره.

إن الكتابة عن الحب هي عملية صعبة، لأنها تكشف صدق الكاتب من عدمه، وهو يسعى للقبض على اللحظات الإنسانية من خلال التعبير عنها بالكلمات. ذلك أن عملية التعبير عن الحبّ لا تتم إلا انطلاقا من تجربة عميقة فيه، وقدرة لا تقل عنها عمقا في امتلاك ناصية الكلمات، وجعلها تنطق بما يختلج في ثنايا الذات من أحاسيس شتى. وهو أمر لا يتأتّى في الغالب إلا للقلة القليلة من الكتّاب في كل زمان ومكان. وهو ما يجب الإقرار به حتما.

كاتب من المغرب

14