الكتابة عن الذات كتابة عن الآخرين

الاثنين 2013/10/07
لوجون يقر أن المؤلف والسارد والشخصية المحورية هي كلها شخص واحد

تطرح الكتابة عن الذات إشكاليات عديدة، منها ما يتعلق بصدق واضعها وأمانته، ومنها ما يتصل بغاياتها وعلاقتها بالواقع والآخرين، ومنها ما يخص انتماءها إلى جنس أدبيّ معيّن، لأنها كتابة ذات أفرع وشجون، قد تتبدى في شكل سيرة ذاتية، وقد ترد في شكل مذكرات أو يوميات أو اعترافات، وقد تأتي في شكل روائي يمزج بين الذاتيّ والموضوعيّ والمتخيل. وإذا كانت تلتقي كلها في كونها عملية سردٍ يروي من خلالها أحد الأشخاص حياته أو جانبا منها، فإنها تختلف فيما بينها من حيث الشكل والغايات.

اليوميات مثلا هي مجزوءات متشظية، تروي أياما متصلة أو منفصلة عاشها أو يعيشها المدون، كنوع من اقتناص لحظات من حياته الخاصة وملاحظات من الحياة العامة قد تساعده على فهم نفسه وفهم الناس من حوله والمجتمع الذي يعيش فيه. وعادة ما تظل حبيسة الأدراج، لأنها حميمة بالأساس، والغاية منها ذاتيةٌ صِرفٌ.


شهادة عن العصر


أما المذكرات فهي في أغلبها شهادة على العصر وأحداثه البارزة – التي قد يكون الكاتب لعب دورا فيها أو كان شاهدا على وقوعها – تكتب لإضاءة بعض الجوانب التاريخية، أو استخلاص العبر من تجارب السابقين، لتكون مرآة مرحلة.

ولكن عادة ما يتقمص أصحابها الدور الأجمل، فيشنعون بمعاصريهم، ويستأثرون بالفضائل والخلال والشمائل، كما فعل أغلب وزراء بورقيبة، إذ أنكروا في مذكراتهم دورهم في فرض آليات الاستبداد التي شهدتها تونس في عهد "المجاهد الأكبر"، وألقوا تبعات ذلك على غيرهم، وحتى على بورقيبة نفسه بعد تنحيه، ثم بعد رحيله.

وكذا الاعترافات، ولنا في اعترافات روسو خير مثال، فقد كتب يقول : "أريد أن أقدم لبني جنسي إنسانا في أجلى حقيقته الطبيعية. هذا الإنسان سيكون أنا".

ولكنه لم يلتزم الأمانة في كل الأحوال، بل جمّل وقائع كثيرة رغبة في الحصول على الاعتراف اجتماعيا وعاطفيا وثقافيا، وكان بحثه عن أنا أصيلة، صافية ومستكفية، مجرد وهم، كما بينت الباحثة الإيطالية بربرا كرنفالي.


السيرة الذاتية


وأما السيرة الذاتية، فتعني كما يدل عليها أصلها اليوناني ( أوتوس : نفسه، بيوس: الحياة، غرافي : كتابة ) كتابة المرء حياتَه بنفسه، وقد بدأت في ثوبها المعاصر مع مونتاني (1533 - 1592) الذي قال في مفتتح "محاولاته" : "أنا نفسي مادة كتابي"، ويعرفها فيليب لوجون في كتابه المرجعيّ "الميثاق السير ذاتي" بكونها سردا استذكاريا منثورا يقدمه شخص ما عن وجوده، بالتركيز على حياته الخاصة، وعلى تاريخ شخصيته، فيكون المؤلف هو السارد والشخصية المحورية في الآن نفسه، دون أن يشكل ذلك ضمانة، هنا أيضا، لحقيقة لا يأتيها الشك. أولا، نظرا إلى تباعد زمن الكتابة عن الزمن المنقضي.

فـ"أنا" الحاضر، أي التي تتولى السرد والتدوين، تختلف عن "أنا" الماضي، أي المسرود عنها، في البيئة والظرف الزمني والتفكير وحتى إدراك مكونات العالم، وهو ما يصوره مارسيل بروست بجلاء في روايته "في البحث عن الزمن الضائع"، و ثانيا، لأن الذاكرة قد تكون مخلة أو انتقائية، لا تحتفظ إلا بما يريد صاحبها إبرازه من الأحداث التي عاشها في سنين عمره المتنائية، ولا تقدم عنه سوى محطات تعتبرها الأهم في مسيرته، وتهمل الباقي وثالثا، لأن الإنسان مهما سعى فهو لا يعرف نفسه تمام المعرفة، ولا يمكن بحال أن يحيط بأدق خلجاتها ولا أن يفسر أعمالا ورغائب صادرة عن اللاوعي، إلا إذا كان مزودا بأدوات معرفية دقيقة.


المساس بالخصوصية


وأما الرواية السيرذاتية، فهي عمل روائي يزعم مؤلفه أنه ليس الذات الساردة، ولكنه يمزج مع ذلك حياة بطله بنتف من حياته وملامح من شخصيته، ليوهم القارئ بأن أحداث السرد واقعية أو أقرب ما تكون إلى الحقيقة.

والإشكالية المطروحة هنا هي مدى هشاشة الحد الفاصل بين السيرة الذاتية والعمل الروائي المتخيل. يرى فيليب لوجون أن المؤلف الذي يدعي سرد حياته يعقد "ميثاقا سيرذاتيا" مع القارئ، يقرّ بموجبه أن المؤلف والسارد والشخصية المحورية هي كلها شخص واحد، وأن ذلك الشخص يلتزم بقول الحقيقة كاملة دون نقصان. ورغم ذلك، يقول لوجون، لا تخلو سيرة ذاتية من خيال، ومن بعد درامي يجعل ذلك الميثاق إشكاليا.

إذا كان صحيحا أن الكتابة عن الذات في شتى أوجهها تسمح بحفظ ذكريات الماضي وترصد حصيلة عمر كامل، وتحلل المراحل الهامة التي ساهمت في نحت شخصية مؤلفها، فهي أيضا كتابة عن الآخرين، لأن المؤلف في كل الحالات لا يعيش بمعزل عن بيئته ومجتمعه، وهو مضطر، شاء أم أبى، إلى التعرض لسيرة من شاركوه حياته أو رافقوه في مرحلة من مراحلها، أو شكلوا منها نقطة اختلاف أو ائتلاف.

وهنا، تبرز إشكالية أخرى قد تقود بعض كتاب السيرة إلى المثول أمام المحاكم : إلى أي مدى يمكن لكاتب السيرة الذاتية، في شتى أشكالها، أن يستعرض جانبا من حياة الآخرين بغير إذن دون أن يكون في ذلك مساس بخصوصياتهم ؟ وما موقف من يتناول كتاب السيرة الذاتية سيرتهم بما يكرهون، وعلى الأقل بما يتكتمون عنه ولا يريدون فضحه ؟

القضية مطروحة حتى في البلدان المتقدمة، ففي فرنسا مثلا، برأ القضاء الكاتبة كريستين أنغو بدعوى أن حرية الخلق هي أسمى أوجه حرية التعبير، فيما أدان مرسيلا ياكوب بحجة التشهير والقذف وأدان قبلها باتريك بوافر دارفور بتعلة اتخاذ علاقته بعشيقته السابقة مادة للكتابة.
14