الكتابة فعل تحرر وليست رد فعل انتقامي

في أعمال الروائية الفلسطينية شيخة حسين حليوي حضور طاغ للشخصيات النسائية وأسئلتها وقلقها الاجتماعي.
الأربعاء 2018/09/05
الصدق في الكتابة هو معيار الجودة

إن الكتابة قد تصبح أحيانا رديفا للحياة بالنسبة إلى الكتّاب من خلالها يتكلمون ويعبّرون عن رؤاهم ومواقفهم وأفكارهم وعواطفهم، ومن خلالها يوجدون، هذه العلاقة قد تبدو صعبة ولا يحققها كل الكتاب. “العرب” كان لها هذا الحوار مع شيخة حليوي الكاتبة الفلسطينية التي آثرت أن تكون الكتابة عندها وجودا لا فقط نصا يكتب.

شيخة حسين حليوي كاتبة فلسطينية. أصدرت عددا من المجموعات القصصية منها “سيّدات العتمة” و”النوافذ كُتب رديئة”، ومجموعتها الأخيرة “الطلبية  C345” الصادرة عن دار المتوسط، ومجموعة شعرية بعنوان “خارج الفصول تعلّمتُ الطيران”.

جاء تصدير الناشر للمجموعة القصصية الحديثة لحليوي “الطلبية  C345” بقوله “بلمحةٍ ذكية، ولغةٍ لا تخلو من الحمولاتِ والإسقاطات التي تضع الواقعي والسريالي في بوتقةٍ واحدة؛ تشرع الكاتبة شيخة حليوى في سردِ قصصها التي تُحيلنا إلى عوالم حميمةٍ، مليئة بالتفاصيل والمشاهد الأقرب في جزئياتها من العمل السينمائي، غير المباشر، أين نقترب من ملامسةِ الحقائق، كما القصص المتخيّلة بنفس المسافة التي نقطعها بين قصةٍ وأخرى”.

هاجس وجودي

تقول حليوي إنها في هذه المجموعة لم تتخل عن إرثها الذي كان حاضرًا في مجموعاتها السابقة موضحة “لا يمكن أن أتخلّى عن إرثٍ اكتسبتهُ وراكمتهُ خلال سنواتي كلّها أوجعني أو كان مصدر فخرٍ وفرح. هو موجودٌ وحاضرٌ بصورة مباشرة أو مرمّزة في كلّ نصوصي. ربّما تغيّرت الأجواء من مجموعة لأخرى، أو اللغة ومدلولاتها، أو فضاء الفكرة بينما مخزون التجارب يظلُّ حاضرا شخصا أحيانا وظلاّ أحيانا أخرى”.

يُعد العمل الأول لحليوي “خارج الفصول تعلمت الطيران” نصوصًا سردية حرة لا تنتمي إلى جنس أدبي مُعيّن وشهد تحليقها بعيدًا عن قيود التجنيس. توضح القاصة “نشرتُ مجموعة ‘سيّدات العتمة‘ ونصوص ‘خارج الفصول تعلّمت الطيران‘ في العام 2015 بفارق عدّة أشهر. اليوم أستطيع القول إنّ ما لم أستطع وضعه في قالبٍ قصصيّ واضح المعالم سكبته في قالبٍ، نصّ، (شعريّ/ نثريّ) وقد يكون العكس صحيحًا أيضا. لقد كانت الكتابة حاجة مُلحّة غير قابلة للتأجيل والتوقّف عند محطّات الجانر الأدبيّ، أن أقول قبل أن أنسى أو يتسرّب الخوف إلى مفرداتي، أن أستلّ من مكان ما في الذاكرة قصصا وأشخاصا ومفردات تراكمت وصارت تزاحم الكلام في فمي”.

الكتابة تكون حذرة أحيانا وتمشي في حقل ألغام، ونزقة أحيانا تقتحم الأشواك والأسوار لتخرج بعدها حرّة نازفة
الكتابة تكون حذرة أحيانا وتمشي في حقل ألغام، ونزقة أحيانا تقتحم الأشواك والأسوار لتخرج بعدها حرّة نازفة

تتابع “لم أكن قد مارستُ الكتابة قبل ذلك بأيّ شكلٍ من الأشكال وحين بدأ الحبل السريّ الّذي ربطني بمحيطي الأوّل يلتفُّ حول عنقي، وكنتُ قد خلتهُ قطعَ، كان لا بدّ أن أنزف، أصرخ، أركلُ الأشياء، أستنجد بالماضي، ألوذُ به وأصالحه ثمّ يستسلمُ كلانا منهكيْن في هدنة مؤقّتة تطول أحيانا وتقصر. في ‘خارج الفصول‘ كنتُ أشذّب جناحيّ في محاولة لتعلّم الطيران بعيدا عن أجنحة النصّ ومساحاته التقليديّة. أما ‘سيّدات العتمة‘ فكانت هدنة منحتني فرصة التحرّك في مساحة واضحة الحدود”.

في أعمال حليوي نلحظ طغيانًا للشخصيات النسائية ومشاعرها وقلقها وأسئلتها عن الواقع الخاص بها كأنثى تقع تحت هيمنة ذكورية ومجتمعات سلطوية تؤطرها وتُكبلها. تلفت حليوي إلى أن ذلك ربّما كان هاجسا أوّليّا للكتابة ما لبث أن سلك طرقًا أخرى، صار هاجسا وجوديّا بالدرجة الأولى. فهي لا تنظر إلى العالم حولها عبر نسويتها فحسب بل عبر كينونتها الإنسانيّة. أكتب وكتبت عن المرأة فيّ وعن مآزقها الّتي يدفعها نحوها مجتمع مُصاب حتّى النخاع بالخوف والهزيمة فلا يجد منفذا إلاّ عبر “كسر شوكة المرأة”. حينما كتبتُ لأوّل مرّة كنتُ أعيد جبرَ المرأة فيّ وبعدها صارت الكتابة تجبر كسر الإنسان فيّ.

تشير حليوي إلى أنها لا تلتفت للقيود ولا تشغلها خاصّة في الكتابة. تقول “الكتابة حرّرتني من كلّ القيود، إن كان هناك ما يحتاج إلى تقويض وهدم وإعادة بناء فأنا أفعله من خلال الكتابة ولكن دون هاجس انتقاميّ. الكتابة كما أراها ليست فعل انتقام أو نتاج حقد، هي فعلُ تحرّر محفوف بكثير من الشوك والألم، تكون حذرة أحيانا وتمشي في حقل ألغام، ونزقة أحيانا تقتحم الأشواك والأسوار لتخرج بعدها حرّة نازفة”.

رديف للكلام

تُبين حليوي أن شخوص أعمالها تستقيهم من العالم حولها بكلّ ما فيه. في “سيّدات العتمة” حضرتُ هي وأمّها وعمّاتها وخالاتها وبداوتها وقريتها المهجّرة وحضرت معها لغة واقعيّة تراوح بين الفصحى واللهجة البدويّة. كانت الفتاة/ المرأة البدويّة حاضرة بقوّة وتحتال بذكاء على عتمة العنوان. أما في “النوافذ كتب رديئة” قدّمت شخصيّات مأزومة تختبر محنها ومآسيها، اضطراباتها وهواجسها، عرّت واقعها واحتدامها الداخليّ، الفرد/ الإنسان بعيدا عن
جنسه كان حاضرا هنا. وفي “الطلبيّة C345” استحضرت القاصة الثقوب والدمى والكلاب والقطط والقبور والأطراف الصناعية والأحلام التي تصيرُ شخوصا فاعلة ومؤثّرة في القصص.

من أين تأتي هذه الشخوص؟ تقول حليوي “لا أعرف صدقا. حينما أكتب قصّة ما أتبنّى الشخصيّة فلا أعود أتذكّر سوى ما تقوله القصّة عنها. هناك وُلدت وهناك أقتلها أو أطلقها حرّة في فضاءات خارج القصّة”.

تعتقد حليوي بأنه على الكاتب الفلسطيني أن يظل مشغولا بقضايا واقعه إلى المدى الذي لا يحوّله إلى كاتب تقارير يوميّة، أو أن يجترّ شعارات أكل الدهر عليها وشرب. “لماذا لا تكون الكتابة عن الهموم الإنسانيّة هي كتابة عن الفلسطينيّ وقضيّته؟ لا شكّ أنّ الكتابة عن قريتي المسلوبة المهجّرة وعن الهويّات الأولى المرتبكة هي كتابة عن فلسطين وقضيتها، الكتابة عن المرأة البدويّة في ظلّ الحرمان من أبسط المقوّمات الحياتيّة هي كتابة عن الاحتلال، ولكنّي لا يمكن ألاّ ألتفت إلى الإنسان/ الكائن عموما بهمومه التي لا تنحصر في مكان جغرافيّ واحد أو قضيّة عادلة واحدة. لا يمكن للفلسطينيّ الفرد أن يتحرّر من الاحتلال المكانيّ ما لم يتحرّر من الاحتلال الداخليّ. من هنا فإنّ أيّ كتابة إنسانيّة هي كتابة عن الفلسطينيّ وقضيته”.

لا تؤمن حليوي بوجود علاقة بين الجودة والإبداع وبين التحرّر من هيمنة الذات، فمتى كانت الذات صادقة كان الإبداع حاضرًا؛ فلا يمكن أن تتحرّر من ذاتها وهي تبحثُ عنها خاصة في كتاباتها الأولى، الكتابات التي كشفتها على القرّاء وجاءت من أصدق الأماكن في داخلها.

تضيف “هناك نصوص كثيرة عندي هي بمثابة هويّة تقول من أنا، وهي مرحلة قد أكون تجاوزتها، ولم أتوقّف عندها، فالمجموعات القصصيّة الأخيرة ابتعدتُ فيها عن مركزة الذات واتجهتُ خارجها. أكرّر دائما: الصدق في الكتابة هو معيار الجودة والإبداع جاء من الذات أو من غيرها.

كانت الكاتبة الفلسطينية قد عكفت على كتابة رواية تقول عنها “قررت قبل عام أنّني لستُ مستعدّة بعد لخوض هذه التجربة. على كمبيوتري مسوّدة من ستين صفحة لرواية لم تكتمل ولا أعرف إذا كانت ستكتمل يوما. فكّرت مطوّلا بالأمر ووجدتُ أنّ كتابة القصّة القصيرة هي العالم الّذي أجدُ نفسي فيه قادرة على اللعب والمجازفة بالفكرة والشكل واللغة. يبدو أنّني أحتاج تدريبا على كتابة الرواية أو ربّما أقرّر نهائيّا أنّني لست قادرة أو راغبة في ذلك. الأمر مرهون بالزمن والرغبة. الكتابة صارت فعل تحرّر بالنسبة إلي تسير هي والانعتاق في خطّ واحد معا. متّى حطّمتُ جدارا في الكتابة كان جدار آخر يهوي في الداخل. لا أنتظر منها سوى أن تحتمل عجزي أحيانا ولا تنفض يدها منّي. هي معادلة شائكة! الكتابة صارت بالنسبة إليّ رديفا للكلام”.

15