الكتابة في الأهوال

الأحد 2016/04/10

يمكن القول إن الكتابة لا زمن لها. غير أن تاريخ الآداب العالمية يقدم لنا أدلة كثيرة على أن الأعمال العظيمة التي كانت ثمرة فترات عصيبة في التّاريخ البشري يفوق عددها وأحيانًا قيمتها تلك التي أنجزت في فترات الدعة والاسترخاء والسلام والطمأنينة. والأمثلة على ذلك كثيرة.

ففي عهد الإغريق مثلًا، عكست رائعتا هوميروس “الأوديسة” و”الإلياذة” ما كانت بلاد اليونان تعيشه من نزاعات وحروب راسمة صورًا بديعة للمغامرين الكبار الذين يتحدّون المصاعب، والحدود ليحصلوا على القليل مما يصبون إليه. بل قد تنتهي مغامراتهم بالفشل الذريع أو بالموت غرباء عن موطنهم الأصلي. وجلّ المسرحيّات الإغريقية تعكس مآسي إنسانيّة تكشف عن هشاشة البشر أمام مصاعب الحياة، وارتباكهم وفزعهم أمام أسئلة الوجود وألغازه.

ولا ننسى أن سقراط الذي يمثّل الفكر الحرّ في أروع أشكاله أجبر على تجرّع السمّ لأنه لم يقبل التراجع عن أفكاره. حتى المسرحيات الكوميدية في الزمن الإغريقي كان الضحك فيها كالبكاء.

فإذا ما انتقلنا إلى العهود الرومانية طالعتنا أعمال شعراء وفلاسفة تتناول في أغلبها قضايا تتصل اتصالًا وثيًقا بمأساة الإنسان على وجه الأرض، وببحثه المضني عن سعادة تظل دائمًا مستحيلة. وما كتبه أوفيد في منفاه عن البحر الأسود موجع إلى أبعد حدود الوجع.
فالشاعر الحالم الذي يتوق إلى سعادة تغمر البشرية بأسرها يصطدم بالاستبداد والطغيان ويجبر على مغادرة وطنه ليمضي بقية حياته وهو يحنّ إلى تلك الأمكنة التي تفتّحت فيها موهبته، وفيها أدرك أن الكلمات قد تساعده على أن يتحمّل المذاق المرّ للحياة. وأظن أن الحروب والنزاعات الدّموية التي شهدتها إيطاليا في العصور الوسطى هي ألهبت قريحة دانتي أليجيري ليكتب رائعته “الكوميديا الإلهية”.

وقبل الثورة الروسية، ظهرت أعمال عظيمة في الشعر والرّواية كشفت عن تلك البؤر السوداء التي سوف تمهد لقيام الثورة البلشفية. وهذا ما نستشفه من خلال أعمال كل من دستويفسكي وتولستوي وغوغول وتورغييف وتشيكوف وغيرهم. ومن وحي كارثتي الحربين الكونيتين، ظهرت أعمال رائعة. يكفي أن نذكر منها “لا شيء يحدث على الجبهة الغربية” للألماني إيريك رانيا ريمارك، و”سفرة في آخر الليل”، و”شمال” للفرنسي لوي فارديناد سيلين، و”النئيون والعراة” للأميركي نورمان مايلر، و”وداعًا للسلاح” للأميركي الآخر أرنست همنغواي. وغير ذلك من الأعمال. وفي أدبنا العربي القديم والحديث أعمال كثيرة تتطابق مع الأعمال التي ذكرت.

ما أريد أن أقوله إن الكوارث ليست جديدة لا على البشرية ولا على العرب. بل قد يكون العرب من أكثر الشعوب تعرضًا للكوارث المفزعة في الزمن الراهن. وما تعيشه سوريا والعراق وليبيا واليمن من فواجع تكاد تكون يومية يبرز لنا أن الزمن العربي الآن هو أسوأ أحواله، وأحلكها على جميع المستويات.

ورأيي أن الكتابة تظل دائمًا وأبدًا الوسيلة المفضّلة والمخيّرة لمواجهة أوضاع تراجيدية كالتي نعيشها راهنًا. وربّما سيكشف لنا المستقبل القريب أو البعيد أن الخراب والدّمار وغير ذلك من الأهوال لم تمنع كتابًا وشعراء سوريين أو عراقيين أو ليبيين أو يمنيّين أو غيرهم من إبداع أعمال تثري الثقافة الإنسانيّة، وتوفّر للذاكرة القدرة على تحدّي النسيان.

كاتب من تونس

14