الكتابة في لجة الحدث

الخميس 2017/07/20

من النادر أن يُقبل كتّاب الرواية على اتخاذ الراهن مادة لرواياتهم، لا سيما إذا كان ذلك الراهن عنيفا صاخبا، متغيرا لا يقرّ له قرار، كما في ثورات الربيع العربي وما تخللها من آمال وخيبات وانتصارات وانتكاسات، وما عقبها من دمار مادي ومعنوي، فهم غالبا ما يوثرون التأني مدة، قد تطول وقد تقصر، حتى تختمر تلك الوقائع الساخنة في أذهانهم، ويصفو أمامهم المشهد، فيبلوروا رؤيةمخصوصة لذلك الواقع تشكل مادة لعمل جادّ.

والحق أن في الكتابة عن حدثٍ لحظةَ وقوعه واحتدامه صعوبةً لا ينكرها إلا من لم يجرب الإبداع السردي. إذ كيف نصنع من أحداث آنية تجري أمام أعيننا مادة روائية مُقنعة، ونشدّ القراء بمناخات واقع قد يعرفون تفاصيلها خيرا منّا؟ وكيف نصور ما لم يستقرّ على حال، ولم يدخل بعد في عداد التاريخ؟ ألا نخشى أن نوجه العمل الفني وجهة قد تكذبها الأحداث الجارية، أو تجيء بما يَنقضها؟

بيد أن تلك الصعوبة تجعل الكتابة أكثر إثارة، لأنها تستنفر لدى الكاتب طاقاته القصوى كي يصطفي من الأحداث ما يجلو من رحمها معاني إنسانية سامية، ويقتنص من زخم الواقع المتقلب في كل آن ما يلبي غاية رسمها لعمله، كي ينأى به عن التصوير الفوتوغرافي أو تكرار ما يعرفه كل من عايش تلك الأحداث. فالفنان، وإن كان فردا من مجموعة، لا ينظر إلى الأشياء كما ينظر إليها سواه، لأن عامة الناس قد تهتم أكثر ما تهتم بالعمليات المثيرة التي تترامى أصداؤها حتى خارج الفضاء الذي حدثت فيه، فيما يلتقط الفنان جزئيات ومفردات وألوانا وأجواء يكاد لا يبصرها غيره، فهو لا يمسك باللحظات الهاربة فحسب، وإنما أيضا يستخلص المعاني الإنسانية فيها ليصوغها على غير مثال. وهذا ليس بالأمر اليسير في واقع مصطخب يمور بالمستجدات.

سئل سلمان رشدي: “كيف السبيل لصيانة رواية تتناول أحداثا راهنة من البلى؟” فأجاب: “أن يركز الروائي على البعد الإنساني. أن يتبع مسار الشخصيات، فالمغامرات هي التي ينبغي أن تأخذ القارئ وتجنّب العملَ الوقوع في بُطلان المفعول. وما الظرف التاريخي سوى خلفية. قد لا يغرينا التعرف على الريف الروسي ولكننا ننجذب إلى “الحرب والسلم” لتولستوي، لأننا نقتفي شخصيات نتعلق بها، فتصبح تلك البيئة محببة إلى أنفسنا”.

والثابت أننا نحتاج إلى سرديات على المستوى الإنساني كي نهتم بالتاريخ، ما مضى منه وما ينكتب، لأن السرديات، بخلاف العلوم التي تهتم بتحليل الواقع، تعطي حياتَنا معنى.

كاتب تونسي

15