أبريل 16, 2018

الكتابة كقوة محرضة على التفكير

الكتابة، بصيغة ما، تبرز كقوة دافعة للصوت ومحرضة للصور والتفكير، ذلك أنّها تكسب اللغة المفكّر فيها وبها صورا، وتفتح أمامها جسرا يخرجها من عتمة الصامت إلى ضوء الصائت المتجلّي.
الأفكار تظلّ حبيسة رؤوس أفكارها ما لم تمنحها الكتابة

هل يمكن أن يكون هناك تفكير من دون لغة؟ هل اللغة هي القائمة بدور المظهّر للأفكار؟ هل الصورة الذهنية تسبق الفكرة أم أن الفكرة تخطر بداية ثم تخلق صورها؟ أين يتموضع الصوت في علاقته مع الصور، ومع ترجمة الأفكار التي تدور في خلد صاحبه؟ هل تعوض الكتابة عن الصوت والصورة؟

لعلّ من المثير أنّ آليات التفكير والتصور والتخييل تظلّ من أشدّ الآليات والوظائف تعقيدا وغموضا، وذلك على الرغم من التطوّر العلميّ الهائل المتحقّق في مختلف المجالات، ولا سيّما في مجال تفكيك آليات وظائف جميع أجزاء جسم الإنسان، وتداخلها، وتأثير ذلك كله على فكره، وبالتالي شخصيته التي يبدو عليها.

يتحدث الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي في كتابه “بنيان اللغة” عن مجال اللغة الإنسانية الذي يعتبره أحد المجالات القليلة جدا، والمتعلقة بوظائف الإنسان المعقدة، حيث يمكن أن نعثر فيها ظاهريا على أشياء مفاجئة، وربما حتى عميقة، أشياء من تلك التي يمكن العثور عليها من خلال دراسة جوانب أخرى قليلة في العالم الطبيعي.

عن جانب التفكير من دون لغة، يلفت تشومسكي الانتباه إلى أنه لا يعرف الكثير عن هذا الموضوع، وأن كل ما يعرف عنه يكون عن طريق الاستبطان. ويقول إنه ما يبدو له واضحا من خلال الاستبطان أنه يمكنه التفكير من دون لغة. ويجد أنه في الغالب الأعم يبدو أنه يفكر ويصعب عليه نطق ما يفكر فيه، وأن هذه تجربة تحدث كثيرا للناس.

ويجد تشومسكي أن المرء أحيانا يفكر ولا يستطيع أن يشرح ما يفكر به لأحدهم، وأحيانا يصدر أحكاما على أشياء بسرعة فائقة لا شعوريا، وإذا ما سأله أحدهم عن سبب إطلاق ذلك الحكم، غالبا ما يكون الشرح في غاية الصعوبة. ويعتقد أن تجارب مثل هذه تشير إلى أننا نفكر من دون لغة، وإذا كنت تفكر فيفترض أن ثمة نوعا من التركيب التصوري هناك. وهناك علاقات بين ما يتم التفكير به بشكل صوري وما يتم التعبير عنه باللغة من خلال تحويل الصور إلى كلمات.. وتراه يسعى إلى شرح واكتشاف العلاقات في دراساته وأبحاثه.

تظلّ الأفكار حبيسة رؤوس أفكارها ما لم تمنحها الكتابة، عبر اللغة، قوّة عابرة للأزمنة والأمكنة، من خلال تثبيتها وتسجيلها وتوثيقها وإطلاقها لتدور في عالم لا منته، منفتح على الآخر وما يمكن أن يضيفه بدوره، وبهذا تكون قوّة محرّضة على التفكير، ومتجاوزة لزمانها ومكانها.

وربما يمكن القول إن الكتابة، بصيغة ما، تبرز كقوة دافعة للصوت ومحرضة للصور والتفكير، ذلك أنّها تكسب اللغة المفكّر فيها وبها صورا، وتفتح أمامها جسرا يخرجها من عتمة الصامت إلى ضوء الصائت المتجلّي حضورا والمكتسب كينونة خاصّة به.

15