الكتابة هي التي تفرض طريقها ومنهجها وليس الكاتب

الروائي محمد جبريل يتعرض في روايته الجديدة "النفي إلى الوطن" لفترة الصراع بين مؤسس مصر الحديثة محمد علي والزعيم الشعبي عُمر مكرم عقب التخلص من حملة نابليون بونابرت على مصر.
الأربعاء 2018/08/29
لا أتعمد الكتابة عن مكان أو شيء بعينه

“النفي إلى الوطن” هي أحدث روايات جبريل، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويتعرّض فيها لفترة الصراع بين مؤسس مصر الحديثة محمد علي والزعيم الشعبي عُمر مكرم عقب التخلص من حملة نابليون بونابرت على مصر. يقول جبريل عن روايته “أتعرض في هذه الرواية لفكرة المقاومة؛ مقاومة المصريين للقهر والظلم سواء كان مُمثلًا في الاستعمار الفرنسي أو في قهر الوالي محمد علي”.

يلفت جبريل إلى أنه ليس ثمة دافع محدد جعله يتجه نحو هذه الفكرة في روايته، قائلا “لا أسأل نفسي أسئلة فلسفية. فكرة الرواية تأتي كومضة دون سابق إعداد أو تجهيز، قد أقرأ كتابا في الاقتصاد لكن أخرج منه بفكرة أو ومضة لرواية أو قصة، ومن ثمّ أجد نفسي مدفوعا للكتابة عن شيء لم أُعد نفسي له مسبقًا بشكل واضح”.

 

يعدّ الروائي المصري محمد جبريل واحدا من أبرز الأصوات الروائية المعاصرة التي انطلق وتوهّج إبداعها من مدينة الإسكندرية، لتظل أحياؤها ومظاهرها حاضرة دومًا في طيّات أعماله ومكنونات أفكاره المبثوثة عبر ما يربو على 40 رواية و13 مجموعة قصصية فضلا عن الدراسات والسير الذاتية. “العرب” حاورت جبريل عن أحدث أعماله الروائية ورحلته الثريّة مع الكتابة الإبداعيّة.

يُبيّن جبريل أنه يشتغل على مشروع روائي له أبعاد متعددة لكنه قائم على فكرة المقاومة، فهو مؤمن دومًا بأن الإنسان ولد ليقاوم، وليست المقاومة محصورة هنا فقط على حمل السلاح ولكنها مقاومة كل شيء خادع أو غير جميل، مقاومة حتى الموت، مضيفا “أنا حريص على أن تكون هذه الرؤية هي الأساس في كل ما أكتبه، ولكني لا أخضع أفكاري لقواعد وشروط صارمة؛ إذ أبدأ الكتابة وفي داخلي فكرة هُلامية تتشكل أثناء رحلة الكتابة دون شروط مسبقة، فإخضاع الفكرة سيجعل منها خطابا مباشرا أو مقالا سياسيا. الكتابة هي التي تفرض طريقها ومنهجها وليس الكاتب برأيي”.

ذاكرة الطفولة

لا يغادر جبريل موطن طفولته ونشأته فيما يكتبه من أعمال، تحضر الإسكندرية بكل تمظهرات الحياة فيها في أعماله، البحر وما يرتبط به من صيادين وشباك ومراكب والحياة على شواطئه تعد مرتكزًا أساسيًا فيما يكتبه، وتعدّ رباعيته عن المدينة من أبرز ما كتب عنها وهي: “أبو العباس”، “ياقوت العرش”، “البوصيري”، “على تمراز”.

يقول جبريل “الفكرة القائلة بأن المُبدع في طفولته أراها صحيحة ودقيقة، الكاتب الذي يتخلّى عن طفولته لن يستطيع أن يكتب عنها أو عن غيرها، فالطفولة نقش على الحجر وذاكرة الطفولة تحتفظ بكل التفاصيل ببراءة الطفل ودهشته، وهذا يذوب ويضمحل مع الخبرات ويظل محفورا في ذاكرة المُبدع، لذا نرى أن أعظم الإبداعات الروائية هي التي كُتبت من هذه الذاكرة؛ نجيب محفوظ مثلًا توقف طويلًا أمام حي الجمّالية الذي نشأ فيه وكتب عنه أعظم إبداعاته الروائية بينما الأماكن الأخرى تناولها بعين الراصد. أيضًا، نجد أن أجمل أعمال إحسان عبدالقدوس هي التي كتبها عن حي الضاهر الذي شهد نشأته، ورغم انتقاله إلى أماكن أخرى إلا أن هذه الأماكن ظلت حية بداخله”.

يتابع “غالبا أنا لا أتعمّد الكتابة عن مكان أو شيء بعينه، لكن تلقائيا أجد أن الكتابة تتخذ من حي بحري في الإسكندرية مكانا لها حتى لو كانت أحداث الرواية أو قصتها غير مرتبطة بهذا المكان. لقد كتبت ثلاث مرات عن شقة واكتشفت بعد انتهاء الأعمال أنني أكتب عن شقتي في حي بحري في كل مرة دون أن أتعمّد هذا. أكتب بتلقائية شديدة ثم يتدخل الناقد بعد انتهاء العمل”.

صدق إبداعي

يتضمن مشروع جبريل الروائي عددًا من الروايات التاريخية البارزة منها: “من أوراق أبي الطيب المتنبي”، “ما ذكره رواة الأخبار: عن سيرة الحاكم بأمرالله”، “قلعة الجبل”، “الجودرية”. وهي أعمال تتناول فترات تاريخية متباينة ومتباعدة ما بين الماضي البعيد والقريب. ينوه جبريل بأن كتابة التاريخ في الرواية مسألة ليست سهلة وتحتاج لقدر كبير من الإطلاع والثقافة فضلا عن ضرورة أن يكون الكاتب مُحبًّا بشكل خاص لهذه الفترة التي يكتب عنها حتى لو كان ناقدًا لبعض أحداثها أو ظروفها.

الكاتب يشتغل على مشروع روائي له أبعاد متعددة لكنه قائم على فكرة المقاومة، فالإنسان كما يقول ولد ليقاوم

وعن مقتضيات كتابة رواية تاريخية يقول “القراءة ومحاولة التعرف إلى الفترة التاريخية من حيث فهم الفترة قدر الإمكان، العادات والتقاليد والنسق المعماري والموسيقى والمفردات اللغوية التي تميز كل عصر، القراءة عن كل هذه التفاصيل مهمة، أبدأ الكتابة عن فترة تاريخية بعدما أشعر بأنني توحدت مع هذا العصر بكل زخمه. قد لا أحب الشخصيات الموجودة خلال فترة ما لكنني أحب ثراءها، مثلا الفترة المملوكية كانت قاسية جدًا لكنها كانت متقدمة في المعمار ونمط الحياة وحتى الدسائس والمؤامرات تُبيّن أنها لم تكن فترة ساكنة. قد تكون الفترة السقيمة هي الفترة العثمانية وقد أعادتنا للخلف كثيرا”.

من الروايات الصادرة مؤخرًا لجبريل، روايته “ورثة عائلة المطعني” التي من خلالها استعرض أزمات مصر خلال عقود سواء كانت أزمات سياسية أو اجتماعية أو دينية من خلال قصة “الوقف”. يقول جبريل عن روايته “هذه قصة حقيقية، أردت من خلال شخصياتها أن أُقيم شهودا على فترة مصر الحديثة، فشخصية الشيخ حسن الوردي هو الشيخ عبدالحفيظ الذي كان إمامًا للمسجد الواقع أمام منزلنا، عرفته وعمري تسع سنوات لكن تأثيره لا يزال حاضرا بداخلي إلى الآن لأنه كان مثالا للجرأة وقول الحق، أما الشخص الآخر فهو سامح المطعني ويحمل جزءا كبيرا مني ومن سلبياتي وهو يمثل الدور المسلوب للمواطن في الوقت الحالي، والمكتفي بالسؤال وتلقي الأجوبة دون محاولة للفهم أو القيام بدور فعّال. فكرة الوقف في الرواية هي دفاع عن فكرة الوطن وأهمية ألا يسطو أحد عليه، وفي الخلفية حديث عن الأحزاب والجيش ودور كل جهة سلبا وإيجابا، وهو الدور القائم إلى الآن”.

يكتب جبريل ذاته بأشكال متعددة، منها ما هو مباشر في رواياته التسجيلية أو سيرته الذاتية أو بالحضور الذاتي في بعض الشخصيات داخل رواياته أو حضور بعض ملامحه الذاتية في شخصياته. في روايته التسجيلية “مقصدي البوح لا الشكوى” يرصد الكاتب رحلته مع آلام العمود الفقري والجراحة التي أجراها ومضاعفاتها على صحته وحياته، وفي رواية تسجيلية سابقة بعنوان “الحياة ثانية” رصد الكاتب أيامه مع مرض القرحة في المعدة والعملية التي أجراها فيها، هذا بالإضافة إلى حضور طفولته وأفكاره وسيرته بأشكال متعددة ومتباينة داخل العمل، وهذا برأيه من أهم عناصر الصدق الإبداعي، لأن الكاتب لن يكون صادقا ما لم يكتب عما عاينه وخبره بنفسه.

يعدّ الروائي المصري من الكُتّاب المتميزين بغزارة الإنتاج، إذ تزيد أعماله عن ستين كتابا في مجالات متعددة. ينتقد جبريل النقد الثقافي الذي يراه فاسدا ومرتكزا على العلاقات الشخصية والمجاملات، قائلا “الكاتب الحقيقي يصاب بالإحباط حينما يجد احتفاءً بكاتب لم يصدر في حياته سوى عملين أو ثلاثة، ويتم تصدير فكرة أن العِبرة بالكيف وليس بالكم، فيما لو نظر أحدهم بعناية في الإنتاج الكثير لبعض الكتّاب سيجد فيه محتوى وكيف أفضل. ليس على المبدع في كل حال أن يتسوّل اهتمام الدولة أو النقاد ويطالب بأن تقرأ أعماله بجدية واهتمام”.

15