الكتابة والألم

أن  يقيم الألم داخل نص الكاتب فتلك هي الطريقة الأصوب لخلق تصالح بين الكاتب وألمه. أما إذا ظل الألم خارج النص، فقد يأكل كاتبه، مفضيا به، إما إلى الجنون... وإما ذاهبا به إلى الانتحار.
السبت 2019/04/13
الشاعرة الفرنسية ماري كلير بانكار عاشت فترة مؤلمة خلال طفولتها

يبدو الألم، في الكثير من اللحظات، الشحنة التي تقود الكتابة وكاتبها، متخفيا وراء قصة حب فاشلة، أو خارجا للتو من حرب ضروس، أو مطلا عبر نوافذ طفولة ضائعة.  وإن كان الألم لا يشكل، لوحده، الوصفة المطلوبة لكتابة نصوص جيدة.

امتدادا لذلك، كان قد استوقفني، خلال إجرائي لحوارات مع شعراء من العالم، وهي الحوارات التي نشرت ضمن كتاب قبل مدة، أن ما يجمع الشعراء هو انتصارهم لثيمة الألم، سواء على مستوى نصوصهم أو على مستوى تفكيرهم.  وأستحضر هنا حالتين.

الشاعرة الفرنسية ماري كلير بانكار عاشت فترة مؤلمة خلال طفولتها، حيث كانت مقعدة خلال خمس سنوات، غير أنها ستستغل هذه الفترة لقراءة جميع الكتب التي كانت تفوق عمرها، ولتقرّ بأن هذه القراءات هي التي أنقدت عقلها، وربما جسدها أيضا.

أما الشاعر البرتغالي كازيميرو دي بريتو، فكنت قد سألته في نهاية الحوار عن حضور ثيمة الموت في نصوصه الأخيرة، فكان جوابه “سأقول لك أمرا مهما، لم يسبق لي أن صرحت به. لدي إحساس بأن ما يربطني بهذا الوجود هو أمي، التي تقضي أيامها الأخيرة بدار العجزة، وبرحيلها سأكون مستعدا لإنهاء حياتي”. توفيت الوالدة، غير  أن دي بريتو مازال شاعرا نشيطا في الثمانينيات من عمره. إنها الرغبة في الحياة التي تنتصر على ثيمة الألم التي تحفل بها نصوص الكتاب.

وانسجاما مع ذلك، يبدو مذهلا أن تكون الكتابة أيضا وسيلة للعلاج، كبديل عن وصفات الأطباء ورزم الأدوية والفحوصات التي لا تنتهي، على الأقل كما تؤكد ذلك عدد من الأبحاث العلمية التجريبية. وإذا كان ذلك يهم الأمراض العضوية، فإنه من المعروف أن وصفة  الكتابة تبدو الأصلح في حالات أخرى، تخص ضحايا الاعتقالات وضحايا الحروب. وهو الأمر الذي يعكسه، من جهة تراكم شهادات المعتقلين السابقين، ومن جهة أخرى، الملايين من رسائل المشاركين في حروب كبرى، كما هو الأمر بالنسبة للحرب العالمية الأولى.

وقد تصلح نفس الوصفة أيضا بالنسبة للمتورطين في الإجرام، على الأقل من باب الاعتراف بالذنب وخلق تصالح مفترض مع النفس. وإن كان اللجوء إلى هذه الوصفة يتم في حالات نادرة. ومن ذلك كتاب “اللص”، الذي كان قد أصدره محمد الفايد، والذي كرّسه لتقديم صورته كمجرم لا يترك وراءه أي قطرة دم. غير أن الكتاب لم يشفع لكاتبه، حيث استأنف جرائمه “النظيفة”، متوجا إياها بحكاية هروبه الكبير من سجنه الفرنسي.

أن  يقيم الألم داخل نص الكاتب فتلك هي الطريقة الأصوب لخلق تصالح بين الكاتب وألمه. أما إذا ظل الألم خارج النص حرا وطليقا، فقد يأكل كاتبه، مفضيا به، إما إلى الجنون، كما هو حال جيرار نيرفال وهوسه، ومارسيل بروست ورهابه، ورامبو وهلوساته، وأنطوان أرتو وتهيؤاته، ومحمد شكري وقفزاته، ومي زيادة واكتئابها، وإما ذاهبا به إلى الانتحار. وذلك أبغض الحلول.

15