الكتابة والسواد

القوائم السوداء، سواء كانت لأشخاص أو لكتب، لا تعلن على رؤوس الأشهاد، وإنما تظل في الغالب تشتغل في العوالم السرية، ينكرها واضعوها، ويسعون إلى تعميمها في العتمة.
الأربعاء 2018/03/07
استخدام الأقنعة يجعل الأدب متصلا في وجوده بجدل لوني

تلتبس الكتابة بالسواد، والمصائر السوداء، مثلما يلتبس المعنى بالخفاء والأعماق الموحشة. والشيء المؤكد أن الأمر لا يتعلق بأي نزوع عرقي، أو عنصري، حين تسعى مختلف التعابير الروائية والمسرحية والشعرية إلى التعلق بالمضمرات والزوايا المعتمة وتلك التي لا تحتمل الأضواء أو البياض، لكن تشوفها الدائم إلى استخدام الأقنعة يجعل الأدب متصلا في وجوده بجدل لوني، حيث الالتباس يكسب الحقائق وجوها عديدة، لهذا فحتى حين ننظر إلى السواد باعتباره الوجه الظاهر للحروف والكلمات، لحظة رسمها بالحبر على الورق، فإن حقيقة تطلعها إلى البياض والإشراق تبقى انشغالا وجوديا وغير محدود في الزمن.

لكن السواد الأدبي، بوصفه قدرا محزنا، وهوية لا تبعث على الارتياح، لا ينحصر في عتبات الحبر والقاع المظلم والمعنى الباطني، وإنما يتخطاها إلى السريرة النفسية غير السوية، والعدوانية تجاه ما يوجد خارج لحائها بمعنى ما، وإلى العواطف الدالة على نزوع شيطاني، فما يمكن أن نسميه تجاوزا بـ”الشر الأدبي” هو جزء من إنسانية الكتابة، وهي ما يميزها عن الخطابات الطهرانية والسرديات المقدسة، فلا يمكن أن نعزل الرواية الحديثة عن السعي المتأصل إلى تصفية الحساب مع المحيط والمجتمع والذاكرة واللغة أيضا، فما البلاغة الروائية في النهاية إلا تحايل وتلاعب بالأصوات، وإيهام وإثارة وسخرية، وسعي للإقناع بوجهة نظر فرد بصدد جماعة.

السواد والسوداوية، والشر الأسود في هذا السياق مكونات جوهرية، في التعبير الروائي ما دامت مهارات التمثيل والتخييل والتصوير، تستند في اشتغالها على مثالب شخصية قد تبدأ بولع الاغتياب ولا تنتهي بتأصّل الحسد، في مقام نثري قد يبدو وقورا؛ فلا قدرة إبداعية لتبيين الوجود “مع” أو “ضد”، دون ضغائن تجاه العالم.

ومنذ مجتمع بيزنطة الذي أحرقت فيه كتابات الراهب آريوس، ومنعت من التداول، ظهر إلى الوجود تدريجيا ما سمي بـ”القوائم السوداء”، ولم ينفصل ما تضمنه من إرادة منع ونبذ ومصادرة، منذ بداياتها المبكرة تلك، عن مجال الخفاء، فالقوائم السوداء، سواء كانت لأشخاص أو لكتب، لا تعلن على رؤوس الأشهاد، وإنما تظل في الغالب تشتغل في العوالم السرية، ينكرها واضعوها، ويسعون إلى تعميمها في العتمة، على نحو شبيه بإطلاق الرصاص عبر كاتم صوت.

 القوائم السوداء قاعدة أساسية في مجتمع الأدب، ولا أقصد هنا، فقط، تلك القوائم الرسمية التي تضعها الأنظمة التسلطية ببلاهة، لمحاصرة أعمال محددة ومنعها من الانتشار، من مثل “آيات شيطانية” لسلمان رشدي أو “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ أو “أرخبيل غولاغ” لألكسندر سولجيستين، وإنما تلك الإرادة الجماعية التي تمنع أسماء وتيارات ومفاهيم من التداول، تلك الرغبة في إشاعة الصمت تجاه كتابات حقيقية،  وجعلها رهينة الدهاليز المعتمة، لأسباب متصلة بالأهواء والعواطف، إنها الإرادة التي تجسد الوجه المعلن لـ”السواد الأدبي”.

15