الكتابة وعبور المستحيل

الصور والأحداث تتشابك في ذهن المرء حتّى ليشعر أنّه يكاد ينفجر، وحين يلوذ بالكتابة يحار من أين يبدأ أو كيف، وهذه الحيرة تكون عتبة التخطّي نحو تبديد التعذّر.
الاثنين 2018/08/13
للكتابة قدرة شفائيّة غريبة

يتأمل الكاتب أن تتيح له الكتابة عبور المستحيل، تراه وهو يحاول تحطيم القيود التي يشعر بأنّها تقوم بالتضييق عليه، يحلم بخلق عالمه البديل، ويكون كسر الجدار في داخله عتبة للانطلاق، ويكون قرار الكتابة عمّا يؤرقه ماضيا في سبيل كشف الغطاء عن الذاكرة والذكريات، عمّا يخفيه ويتردّد في البوح به.

حين يتهيّأ الكاتب للكتابة عن عالمه المحجوب عن الآخرين ويحلم بإنجاز عمله، قد يتفاجأ بأن ذلك المسار يتحول وينعطف رغما عنه، وذلك حين يغافله حدث كبير يمضي به بعيدا عمّا خطّط له، ويقوده للكتابة عنه من دون أي تخطيط مسبق. الفكرة تداهم والحدث يفرض وجوده وحضوره.

ربّما يقع الكاتب فريسة للتردّد حين وقوع كارثة ما، بحيث يتأخّر بالاستدلال إلى وسيلة لامتصاص الصدمة واستيعاب الكارثة ومن ثم التعامل معها وتهيئتها للكتابة عنها ومعالجتها، وتكون محاولته لعبور الواقع الدامي إلى الجرح من خلال الكتابة بما هي محاولة للعبور إلى المستحيل ونزع الاستحالة عنه وتفكيكه.

تتشابك الصور والأحداث في ذهن المرء حتّى ليشعر أنّه يكاد ينفجر، وحين يلوذ بالكتابة يحار من أين يبدأ أو كيف، وهذه الحيرة تكون عتبة التخطّي نحو تبديد التعذّر، وتلغي جانب الاستحالة في المسألة، ويكون مطالبا بترويض قلقه للمضيّ في ترتيب خطوطه وفكّ شيفراتها لتقريبها من القارئ وتصويرها بحيث ينزع عنها تشابكها وغموضها.

قد تقع حادثة تغيّر مسار الحياة والكتابة معا، تصدم الكاتب وتنبّهه فلا يجد بدّا من الانسياق وراءها، أو يكون مأسورا للخيار الذي فرضته أو ألزمته به، بحيث لا يكون له ترف الاختيار، بل يكون مجبرا على الإذعان لقوتها وسطوتها، ويحاول جهده التأقلم مع تداعياتها وتأثيراتها.

من ذلك مثلا ما فعله الفرنسي جون دومينيك بوبي في روايته “بدلة الغوص والفراشة”، إذ أصيب بمتلازمة المنحبس، التي تكون عبارة عن حالة يكون فيها المريض برغم وعيه التام مشلولا في كل عضلات جسمه ما عدا عضلة العينين، حيث ألف رحلته المتخيلة الكتابية الخالية من الحركة، حكى فيها عن عزلته ووحشته، وصدمته حين تمّ حمله على كرسي نقال، واكتشافه عدم قدرته على الحركة والكلام، وأنّ لا أحد رسم له صورة تامة لحالته، وكيف أن صدمته تلك شفته من أوهامه بالتماثل القريب للشفاء. كانت الكتابة بالنسبة إليه عتبة لعبور المستحيل نفسه.

وكذلك ما سردته الفرنسية لورانس تارديو في روايتها “وفي النهاية الصمت” عن ذلك الحدث المفصلي الصادم بالنسبة إليها، وهو تاريخ وقوع مجزرة شارلي إيبدو، وكيف تم قتل الصحافيين من قبل الإرهابيين بطريقة شنيعة. تتحدث عن آثار الصدمة المروعة التي خلفتها العملية الإرهابية التي طالت صحيفة شارلي إيبدو عليها، وكأنها اكتشفت وجود وحوش يشاركونها المكان نفسه، ويهددون بتدمير حياتها وعالمها برمته، تنتابها مشاعر مختلطة من الذعر والتشتت جراء ما تتابعه، وتحاول الإبقاء على قوّتها للمواجهة والتعرية والكتابة. ولجأت إلى الكتابة لتعيد تكييف نفسها على التأقلم مع الواقع الذي شعرت بأن العيش فيه أصبح مستحيلا؛ ذاك المستحيل الذي تهيّأ لها بصورة وحش يدمّر محيطها وعالمها.

ولعلّ الرغبة الدائمة في الاكتشاف هي التي تدفع المرء إلى المضيّ في درب الكتابة والإبداع، والحلم الدائم بالعثور على الجديد والمبتكر يبقيه مصابرا على ما قد يكابده من مشقات البحث والدراسة والمقاربة، وهنا تصبح الكتابة فعلا تعويضيّا ذا قدرة شفائيّة غريبة؛ وربّما هذا من أحد أسرارها المثيرة.

15