الكتاب الأسوأ

السبت 2015/01/03

الكتب كما نعلم أنواع، منها اليسير الممتع، الذي ينسيك فروضك وواجباتك وأكلك وشربك ونومك، فلا ترتخي إلا حينما تبلغ نهايته. ومنها الدسم الذي تقرؤه بأناة لتسبر أعماقه وتتأمّل مغازيه. ومنها العسير العنيد الذي لا يؤتي معانيه إلا لمن كان له زاد معرفيّ ثرّ، وصبر لا ينفد.

وإذا كان بإمكانك رمي كتاب يخيّب أفق انتظارك، وقد تشتم كاتبه وناشره والناقد الذي جمّل في الغلاف فحواه، وتسبب في ضياع قروش كان يمكن إنفاقها في ما يُجدي، فليس بإمكانك أن تسلك السلوك نفسه إذا كان ذلك الكتاب ضمن المقررات المدرسية، مبرمجا لاجتياز امتحان مدرسي أو جامعي، فأنت مضطرّ حينئذ أن تتجرّعه قطرة قطرة كما تتجرّع دواء في مرارة الحنظل.

ولو سألت التونسيين مثلا عن الكتاب الذي أرهق أدمغتهم، وثقل على صدورهم، ودمّر أعصابهم وفرض عليهم في نهاية المرحلة الثانوية، منذ الاستقلال، كالخدمة العسكرية الإجبارية، لأجابوك بغير تردد: “سدّ المسعدي”، للغته الجاهلية وألفاظه الحوشية وأسلوبه بالغ التعقيد.

مثل هذا السؤال طرحته جريدة نيويورك تايمز -في ملحقها الأسبوعي- على قرائها، لتعرف أيّ الكتب “عفّن” حياتهم على حدّ تعبيرها، فأجمعت ردودهم على رواية آين راند الفلسفية Atlas Shrugged (أو الساحل الرملي في ترجمتها الفرنسية) التي نوّه بها النقاد منذ صدورها عام 1957 وعدّوها أكثر الكتب تأثيرا في الولايات المتحدة بعد التوراة، وجاء في غلافها: «لماذا يبدو العالم في طريقه إلى التعطل والخراب؟ لماذا، دون أيّ سبب ظاهر، يستشري في كل مكان شعور باليأس والحرمان؟».

في الملحق نفسه، اعترفت الكاتبة ليسلي جاميسون بأن قارئة بعثت إليها برسالة عقب صدور روايتها الأولى (خلوة الجين) قالت فيها بصريح العبارة: «لم يكلفني كتابك من أحد باعة الكتب القديمة أكثر من عشرة سنت. ولكني لم أهدر في حياتي عشرة سنت بمثل هذا الغباء.

روايتك توهن العزيمة وتقبض النفس بشكل جعلني أستأنف شرب الكحول وتعاطي المخدرات، بل إني حاولت حتى قطع شرايين معصميّ. ينبغي أن تخجلي من نفسك. لا شيء صالحا يمكن أن يخرج من كتابك».

قرأنا عن مناهج التلقي الحديثة لمقاربة الأعمال الأدبية، ولم نقرأ تطبيقا لها على مدوّنتنا العربية، خصوصا في علاقتها بالقارئ العادي، لنعرف رأيه في ما نكتب، وموقفه من الشطحات التي أوهمنا أصحابها بأنها فتوحات أدبية، أو براءات اختراع سوف يسجّلها لهم التاريخ.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17