"الكتاب الأسود".. الرئيس المرزوقي يهدم الهيكل على من فيه

الخميس 2014/01/02

ما إن ظهر “الكتاب الأسود” حتى سارع أغلب الذين ضُمّنت فيه أسماؤهم إلى تأويل أسباب نشره وذهبوا في ذلك مذاهب منها أنّ الرئيس المؤقّت كلّما خبا نجمه في المشهد السياسي أطلّ على الناس بشيءٍ يجلب به أنظارهم إليه، ومنها أنّ صدور الكتاب كان فعلا سياسيا لحكومة الترويكا وذلك من جهة سعيِها إلى تلهية الناس عن مسألة تعطّل المسار الانتقالي وفشلها في إدارة الشأن العام، ومن التأويل ما ذهب أصحابه إلى القول إنّ الرئيس المؤقّت كشف للشعب التونسي عن “قلبه الأسود” الذي لا يريد للبلاد أن يهدأ فيها غليان شوارعها بسبب غلاء المعيشة وانعدام الأمن واهتراء دور المعارضة السياسية.

المعلوم أنّ ظهور الكتاب كان عبر قناة تونسية ذات ميول إسلامية، وقد وصل إلى أحد صحافيّيها مُسرَّبًا من المطبعة الرسمية، غير أن الرئيس المرزوقي قال إنه “تمت سرقته من المطبعة ولم تكن مؤسسة رئاسة الجمهورية تنوي نشره” والحال أنّ موظّفي المطبعة الرسمية قد أعلنوا أن 530 نسخة من الكتاب الأسود قد تم طبعها في منتصف شهر نوفمبر الماضي تحت حراسة مشددة من الأمن الرئاسي.

وكلّ هذه التبريرات لا تمنعنا من أن نطرح الأسئلة التالية: إذا كان الرئيس المؤقّت لا ينوي توزيع الكتاب، فلِمَ دفع به إلى المطبعة؟ ثم هل مؤسّسة الرئاسة التونسية ضعيفة إلى الحدّ الذي يتجرّأ فيه أحدهم ويُسرّب كتابَها السريّ؟ ولماذا ظهر الكتاب بقناة موالية للحكومة ولم يظهر بأخرى؟ وكيف يُبيح لنفسه مناضل حقوقي مثل الرئيس المرزوقي أن يُظهر بقائمة الذين خدموا نظام بن علي من الإعلاميين والمثقّفين بعض الأسماء التي تخالفه الرأي ويتستّر عن أخرى هي الآن تشغل مناصب في الحكومة الانتقالية؟ أَوَلم يكن المرزوقي نفسه هو مَن دعا التونسيين سنة 1989 إلى انتخاب بن علي، بعد أن وعده هذا الأخير بحقيبة وزارة العدل على حدّ ما ذكر مؤخّرا أحد الإعلاميين التونسيين؟ أسئلتنا للكتاب الأسود كثيرة، ولو أردنا الذهاب فيها إلى مداها لقلنا: وهل ثمة مَن لم يخدم نظام بن علي من المؤسّسات والأحزاب والأفراد سرّا أو علانية، وطواعية أو غصبا؟ وهل يستطيع أحد تقدير حجم الانتهاكات التي تعرّض لها أولئك الذين عارضوا النظام من الإعلاميين والمثقّفين والسياسيّين، ومقدار الألم الذي عانوه جرّاء ذلك؟

ما من شكّ في أنّ إقدام الرئيس المؤقّت المنصف المرزوقي على استثمار ما في أرشيف قصر قرطاج الرئاسي من ملفات لإنجاز هذا الكتاب الأسود لا يدخل فقط في خانة “التوثيق التاريخي” و”كشف الحقيقة للشعب” و”تطهير” البلاد من رموز الفساد، وإنّما هو داخل أيضا في حيّز “تبييض” سيرته خلال فترة رئاسته، ومن ثمّة نرى في إصداره للكتاب ضربة منه استباقية للاتقاء بها ممّا يمكن أن يكون من أمره مع خصومه السياسيّين وكذا مع الشعب التونسيّ في حال سُحبت منه صفة "الرئيس" بعد الانتخابات المقبلة.

ويتجلّى ذلك بالخصوص في كونه استغلّ حصانة موقعه الراهن ليفتح النار على خصومه ويصفّي معهم حسابات قديمة وأخرى ستحملها الأيام القادمات.

وسواء أراد الرئيس المرزوقي “كشف الحقيقة” أو رغب في “ضرب خصومه”، ففي الحاليْن نلفيه يهدم الهيكل على مَن فيه، وهو هدم مسّه هو قبل أن يمسَّ الإعلاميين والمثقّفين الذين وردت اسماؤهم بكتابه الأسود.

ذلك أنّ استطلاعات الرأي الأخيرة تشي بأن حال السيد المرزوقي السياسية تجري إلى مستقرٍّ لها سيّئ بسبب ضمور فاعلية حزبه داخل الترويكا الحاكمة، وارتجال خطابه السياسيّ الذي نراه لم يلبِّ في أغلبه أفق انتظار الناس منه، وكشف الغطاء عن حقيقة أنّ سلوك السيد المرزوقي لم يرقَ إلى مستوى رئيس شعب ثار على الظلم والدّكتاتورية وتزييف الحقائق.

مهما يكن من أمر الجانب السياسي الذي أحاط بظهور الكتاب الأسود، فإنّ ذلك لا يجب أن يحرم هذا الكتاب من بعض حسناته.

فلئن كان ظاهره لا يزيد عن وثيقة اتهامية تحتاج إلى قول فصل من القضاء التونسي، فإننا نجد في نشره فرصة للمثقّفين لكي يتنبّهوا إلى أنّ الثورة الحقّ لا تكون إلا على أنفسهم أولا ومن ثمة تنسحب على الواقع المعيش، ذلك أن المثقّفين يظلّون المسؤولين، قبل الكتاب وبعده، عن طبيعة انزياح أدوارهم الحضارية عن سواء السبيل التي انتدبوا أنفسَهم لسلوكها، وهي خدمة شعوبهم ومصارحتها بحقائقها واستنهاض هممها للدفاع عن حقوقها.

وهو أمر يجعلنا نرى في الكتاب دعوة للمثقّفين التونسيّين والعرب جميعهم لكي يعلموا أن السلطة عضوض، وأن تاريخها لا يرحم حتى أولئك الذين يخدمون مصالحها على حساب مصالح الشعب.

بل إن مزيّة الكتاب الأسود، إن صدق الزعم بمزاياه، هي أنه نبّه المثقّف إلى ضرورة التحلّي بفضيلة الاعتراف والمكاشفة، لأنّ معضلة مثقّفينا العرب هي أنهم ظلّوا سجناءَ رغائب الحكّام، كما أنهم يتحمّلون مسؤولية مخاتلتهم لشعوبهم واللعب مع السلطة على حسابها، وهو لعب نراه ضربا من المغامرة القاتلة للمثقّف تستثمر فيه السلطة قدراتِه الخطابية والإبداعية والتفكيرية من أجل تحشيد الجماهير لتقديس رموزها الحاكمة.

وغير خفيّ أنّ مثل هذه الطبيعة المخاتِلة لبعض المثقّفين العرب هي التي حوّلت ثورات الربيع العربي إلى انتكاسات وانكسارات نتجت عنها بحار من دماء الأبرياء.

7