الكتاب الطائر

السبت 2017/02/25

بدأت معارضُ الكتب في شوارع المدن. ومنها مراكش وفاس وبغداد. كما أن الكثير منها مازال مستمرا إلى حد الآن، ومنها سوق الأزبكية بالقاهرة، وشارع المتنبي ببغداد وشارع عبدالمغني باليمن، ونهج الدباغين بتونس. غير أنه مع تطور صناعة النشر وتزايد الإنتاج المطبوع، ستظهر الحاجة إلى معارض أكبر، مع لمسة تنظيمية أفضل، لتظهر المعارض المحلية ثم الدولية الكبرى.

والحقيقة أن معارض الكتب الدولية، بشكل خاص، صارت في الكثير من الأحيان، المنفذَ الأساس لسفر الكِتاب والموعد الرئيس لتقريبه من القارئ، خصوصا في غياب قدرة ناشري بعض الدول على ضمان توزيع أفضل ومنتظم لإصداراتهم خارج حدود بلدانهم. وبذلك كان طبيعيا أن تصير المعارض ورشات كبرى لا يعرف حجمها إلا من خبر كواليسها. فقد لا يفكر الزائر في أن وراء المعرض فرقا صغيرة تترك حياتها جانبا لتتفرغ للمئات من العمليات، والتي تبدأ من التواصل مع المئات من الناشرين ومثلهم من الكُتاب، وقراءة مئات الآلاف من العناوين (ولا علاقة للأمر هنا بالرقابة) وإعداد الصفقات، وبث الحياة في فضاء المعرض، في انتظار ساعة الصفر.

في الضفة الأخرى، على الناشر أن يرسل كتبه. أحيانا قد يصل الناشر إلى المعرض ولا تصل الكتب. وقد يحدث أن تصل الكتب ولا يصل الناشر، خصوصا مع تعقيدات عبور الحدود. وحينما يتعلق الأمر بالعشرات من المعارض في السنة، فلنا أن نتخيل كيف يتحمل الناشر كل أتعاب هذا السفر غير المنتهي بين عواصم العالم.

في المعارض، يلتقي الكُتاب بمختلف درجاتهم ومستويات أمزجتهم. الكاتب الكبير والكاتب الطويل الذي يظن نفسه كبيرا، والكاتب الصغير الذي يتخيل نفسه عظيما، والكاتب الذي تزعجه كتب الدين، بما فيها الصحاح، والكاتب الذي يحتج على تقليص كتب الدين، والكاتب الذي يشتكي من وجود أطفال الأحياء الشعبية.

عدتُ من معرض الدار البيضاء منذ أسبوع. المعرض الذي صار جزءا عابرا من حياتي. ينتهي المعرض وعليك أن تدبر تبعاته. كان أولها بيان جهة أجنبية اعتادت أن تراقب، من مقرها بباريس، وجود كتاب “كفاحي” وأنظاره من الكتب المعادية للسامية في معارض الكتاب العربية، وبشكل أساس معرض الدار البيضاء، مع الهامش الذي تفتحه عن قصد لتدمج ضمن لائحتها كل الكتب التي تتناول الكفاح الفلسطيني، بما فيها الكتب التي تتناول سيرة القسام أو عرفات. هذه السنة لم يستطع المتعاونون مع المنظمة الاهتداء لأي نسخة من كتاب “كفاحي” في المعرض، فاعتمد ممثلوها على تغريدة لشاب يشير فيها إلى ما اقتناه من المعرض، ومن ضمنها الكتاب المذكور. الشاب سيعود في تغريدة ثانية إلى تصحيح الأمر، مشيرا إلى كونه قد اقتنى الكتاب من بائع عابر وليس من المعرض.

ينتهي المعرض لكي يبدأ آخر. المعارض أشبه بطائر يحط في بلدان الكون مع حلول كل فصل. وحدها الكتب تتذوق طعم السفر.

كاتب من المغرب

17
مقالات ذات صلة