الكتاب العابر للأجيال والقارات والأكثر قراءة بعد "الكتاب المقدس"

الأحد 2013/08/18
أغلفة بلغات مختلفة ورسوم ونصب في مدينة ونقش على الجسد

باريس - رائعة هي الفكرة، حين نرى الانتشار العالمي الذي حققته قصة الفرنسي سانت إكزوبيري والتي نشرت للمرة الأولى سنة 1943 خلال إقامته بنيويورك بعيدا عن وطنه فرنسا. منذ ذلك الحين، تم عبر العالم تصريف ما بين 50 و200 مليون نسخة، حسب المصادر. ‹‹يحب الكبار الأرقام لكننا في الواقع لا نعرف الحقيقة››، هذا ما قالته " ديلفين لاكروا" (Delphine Lacroix)، مسؤولة الأرشيف الشخصي للكاتب. بالنسبة للكاتب الفرنسي ألبان سوريزيي (Alban Cerisier)، الشغوف بإكزوبيري الرومانسي الذي أصبح الكاتب العام لـ"كوكب غاليمار" (planète Gallimard)، والذي كُلف في العام الجاري بإضاءة الشعلة بمناسبة ذكرى مرور 70 سنة على ظهور ‹‹الأمير الصغير›› في الولايات المتحدة، فهو يرى أنه لم يبلغ كتاب درجة التقدير الكونية التي نالها لدى القراء عبر القارات. بل إنه يعتقد أن هذا الأمير الصغير هو ‹‹ أفضل سفير لفرنسا››. تضاف إلى الطبعات المشار إليها آنفا، العديد من الطبعات المقرصنة المحببة لدى هواة المجموعات. عدة نسخ مزورة، غالبا غير دقيقة (بالأبيض والأسود)، مغلوطة، لكن آه ما أعظم ما تنم عنه: أبدا لم يؤثر كاتب آخر في مثل هذا العدد الهائل من الجنس البشري، على اختلاف ثقافاتهم. بقلوب بسيطة، واعتزاز بالكرامة، حسب الكاتب واستاذ الفلسفة جون-فيليب راڤو (Jean-Philippe Ravoux)، فإن "الأمير الصغير" هو أعظم وثيقة لميتافيزيقا القرن العشرين›.

نسخة مقابل ستة

حين عُرض الطفل الذي سقط من السماء، بفرنسا سنة 1946 - تماما كـ " سان إكزوبيري"، الذي هوى بالبحر سنتين قبلها خلال رحلة استكشافية- تم تبنيه كاليتيم. استشعر صحافيو مجلة "هي" (Elle) المصير الغير عادي لهذه الدلالة الرمزية فنشروا المخطوطة . وقبل خروج الكتاب من المطبعة بخمسة أشهر كانت قد بيعت منه على الطلب 20.000 نسخة ونفدتت الطبعة في غضون شهرين.

عُرض هذا المؤلف اللطيف، في فرنسا ما بعد الحرب، بغلاف أزرق مدموغ بصورة "الأمير الصغير" وعلامة "المجلة الفرنسية الحديثة" (NRF). كان ذلك في ربيع 1948، ونفدت على الفور 23.000 نسخة، ومذ ذاك سيكون كتاب الأطفال الأكثر طلبا في العالم، وستباع كل نسخة من الكتاب الفرنسي الشهير للأطفال "حكايات هرﱟ معلق" لمارسيل إيميه، مقابل ستة من " الأمير الصغير"، وستتوالى إعادة الطبع بمعدل مرتين في السنة حتى 1958.

بإنشاء "فوليو جينيور" (Folio Junior)، ستتزايد نجاحات دار النشر على الرغم من السخرية اللاذعة لبعض المثقفين أمثال "فوكو"( Foucault) الذي تساءل كيف استطاعت هذه الحكاية القصيرة التافهة أن تحقق كل هذه الطفرة. إلى يومنا هذا، سيستمر هذا الازدراء بالعقول المتنورة، لكن 400.000 نسخة تنفذ بهدوء كل سنة، لتحقق ما مجموعه 11 مليون نسخة مباعة من الكتاب في فرنسا لوحدها منذ 1946.

إفساد الذوق

النيزك (ب615)، الذي يتحدث عنه الكتاب نجم جميل سيسطع نوره حتى 1955 لاسيما في أوربا، ومع اختراقة لسماء الأرجنتين و البرازيل ، الأراضي المستقبلة للنيازك، وكذلك اليابان، في الستينيات تقفز الحكاية إلى الشرق. بولونيا الأكثر معاداة لفرنسا، تفتح الخط. في تحقيق صدر سنة 2006 (" كان يا مكان... الأمير الصغير"، Folio, 2006 )، يحكي ألبان سوريزيي كيف منعت المجر سنة 1957 نشر الكتاب، فقد اعتبرته السلطات، أنذاك، تهديدا من شأنه "إفساد ذوق أطفالنا. نحن نعيش في ظل نظام اشتراكي، وهذا يحتم على أطفالنا، الذين سيكونون رجال الغد، أن يُبقوا أقدامهم على الأرض. لا شيء يجب أن يفسد التصور الذي يتوجب أن يطبع منظورهم للحياة و العالم". في يوغوسلاڤيا، سيترجم الكتاب في ما بعد إلى اللغات المقدونية، السلوڤينية والصربية-الكرواتية، مستبقا على طريقته تقسيم يوغوسلافيا. أما عن انسيابية النشر خلال الخمس عشرة سنة الماضية، فقد اقترنت بالحراك المتنامي للدفاع عن اللغات الإقليمية الأوربية – الرومانشية، أوكيتانية بيدمونت، البولونيزية – وتجدد الاهتمام باللهجات المحلية – البريتونية أو البيكار مثلا. لقد شكل الإيجاز والتجريد أهم مميزات الحكاية. الصحراء والفضاء بين الكواكب مجالات مشتركة للبشرية، والتمثلات - وردة، بركان، ثعلب، بئر، ثعبان- سهلة المنال لكل آدمي، من مينيز-هوم إلى القوقاز، لسنا ببعيدين عن الأسطورة، الشاعر بول فور (Paul Fort) قال: لو شاء قراء "الأمير الصغير" وضع يد في يد لشكلوا أجمل دائرة حول الأرض.

13