الكتاب العربي يلاطم أمواج التضييقات السياسية والاقتصادية

لطالما كانت صناعة الكتاب في العالم العربي من أهم الركائز التي يُستند عليها لتحقيق الرقي الحضاري، لذا لم تكن تلك الصناعة بمعزل عن هموم ومشاكل الوطن العربي أو التحديات التي يتعرض لها بكافة أشكالها، الفصل هنا غير وارد وهو محض وهم لا مكان له على أرض الواقع. التغيرات السياسية التي عصفت بالبلدان العربية أثرت بشكل كبير على صناعة النشر وعلى نوعيته أيضا، فبات النشر متأثرا بالأزمات السياسية المتلاحقة، وانطلق الكتّاب ليواكبوا بأقلامهم الأحداث الدموية المتلاحقة، وعلى الجانب الآخر كان هنالك سعي من قبل القراء إلى شراء تلك الأعمال التي قاربت الواقع بشكل أو بآخر. “العرب” استطلعت آراء عدد من الكتاب والناشرين العرب حول حال الكتاب العربي في العام 2015.
الأربعاء 2016/01/13
مغارة الكتاب العربي

القاهرة (العرب)- تصدرت المشهد الثقافي في العام 2015 ظاهرتا المنع والمصادرة للعديد من الكتب والأعمال الأدبية لأسباب مختلفة سياسية واجتماعية، إذ تم منع العديد من الكتب والروايات في معرض الكتاب بالكويت، ومن أبرز الأعمال التي منعت من المشاركة في المعرض رواية “فئران أمي حصة” للروائي سعود السنعوسي، و”لا تقصص رؤياك” للروائي عبدالوهاب الحمادي، و”خرائط التيه” لبثينة العيسى.

وحضر المنع كذلك في معرض الخرطوم للكتاب، فقد صادر جهاز الأمن رواية “ساعي الريال المقدود” للكاتب مبارك أردول، بتهمة مخالفتها لقيم الثقافة في السودان، كما تم منع كتاب “الربيع العربي تأجل في الجزائر” للكاتب وليد بلكبير من المشاركة في معرض الكتاب بالجزائر، لتتعدد الكتب الممنوعة والمصادرة وإن اختلفت الأسباب.

هناك الكثير من المشاكل التي يواجهها الكتاب العربي والتي تعوق من انتشاره بين مختلف الأقطار العربية سواء تلك المتعلقة بالأزمات السياسية أو المشكلات الاقتصادية التي تعصف بالصناعة ككل وتحدّ من توزيع الكتاب.

الثقافة ليست أولوية

يعتبر رئيس اتحــاد الناشرين المصريين عادل المصري أن أبرز المعوقات التي اعترضت طريق صناعة الكتاب والنشر في العام الماضي، بعضها متواصل منذ سنوات انطلاقا من التطورات السياسية القائمة، حيث خروج العديد من الأسواق العربية التي تعدّ منافذ هامة لصناعة وتوزيع الكتاب، من بينها ليبيا والتي كانت تعدّ من أكثر الدول استيعابا للكتب بمختلف مؤسساتها التربوية والثقافية، فضلا عن سوريا والعراق.

حال الكتاب العربي من حال أهله، فهو يناضل نضالا مستميتا من أجل أن يستنشق دفقة هواء، حتى يستمر في الحياة

ويـرى رئيـس اتحاد الناشرين أن الأوضاع السياسية في هذه البلدان كانت لها تأثيرات عميقة على صناعة وتوزيع الكتاب العربي فيهـا، حيث أنه في أوقات الأزمات والاضطرابات لا تأتي الثقافة كأولوية لدى الناس، فسوق صناعة الكتاب في تونس قد انضبطت بعد التوترات التي كانت قد حدثت بفعل التطـورات السياسية، والأمر في مصر كذلك عقـب أن اهتزت الأمور على ضوء التطورات السياسية أيضا.

كذلك، كان للأوضاع الاقتصادية المتردية تداعيات عميقة على صناعة الكتاب في العالم العربي، حيث أن الطعام والشراب والدروس الخصوصية، إلخ. وتعدّ، في رأيه، من أولويات الناس في ظل تلك الظروف الصعبة، فتلك الأزمة الاقتصادية لها انعكاسات سلبية على صناعة وتوزيع الكتب بشكل عام.

وفي ما يتعلق بالوضع في مصر، يقول رئيس اتحاد الناشرين المصريين: هناك العديد من المعوقات التي اعترضت طريق الكتاب إضافة إلى العوامل السابقة، من بينها تراجع دور الدولة في دعم صناعة الكتاب، وهذا التراجع كان له العديد من الأوجه، من بينها (غياب مشروعات إنشاء المكتبات العامة، وتوقف وزارة الشباب عن تزويد مكاتبها بالكتب، وتراجع النشر في الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكذلك تراجع وزارة التربية والتعليم عن شراء الكتب)، كما أن ارتفاع سعر الكتاب بشكل عام يعتبر من بين المعوقات المطروحة.

ويضيف: في ما يتعلق بتأثير تلك المعوقات على ازدهار “الكتاب الإلكتروني”، فنحن ناشرو محتوى، يمكننا أن ننشره مطبوعا أو إلكترونيا ما دامت لدينا القدرة على تسويقه، بالتالي فلسنا في صراع أو منافسة مع الكتاب الإلكتروني بأي شكل من الأشكال، لا سيما أن “الكتاب الإلكتروني” يقلل من تكلفة الإنتاج مقارنة بالكتاب المطبوع الذي يزيد التكلفة بالطباعة.

ويتوقع عادل المصري المزيد من الازدهار للكتاب الإلكتروني خلال السنوات المقبلة، فظهور الكتاب الإلكتروني جاء نتيجة تطور عام لدى الجمهور مع زيادة التكنولوجيا وشيوعها ووجود جمهور من الشباب المولع بالتكنولوجيا في جميع المجالات.

الإنترنت تروج للكتاب

الكتاب يصارع سيف الرقابة

يعتبر الروائي المغربي مصطفى لغتيري أن حال الكتاب العربي من حال أهله، فهو، في رأيه، يناضل نضالا مستميتا من أجل أن يستنشق دفقة هواء، حتى يستمرّ في الحياة والحرية والانطلاق نحو أفق أرحب، الكتاب العربي شبيه بالإنسان العربي إلى أبعد الحدود، ويرى أنه كذلك ما زال ممنوعا من تخطي الحدود ما بين الدول العربية إلا بشق الأنفس، ومازال الكاتب العربي كذلك مغبونا في حقوقه المادية والمعنوية إلى إشعار آخر، ومازالت الأمية حجر عثرة تحول دون أن تصبح القراءة رافعة حقيقية لمستقبل الكتاب في بلداننا.

يقول لغتيري: حتى لا نكون عدميين أو لا نتهم بأننا لا نرى سوى النصف الفارغ من الكأس، يمكن الحديث عن بعض المكاسب لكنها تظل محدودة ولا تستفيد منها إلا قلة القلة، وأقصد تحديدا بعض الزخم المعنوي أساسا الذي حققته الجوائز الأدبية المحدثة، لأن المكاسب المادية لا ينالها سوى ثلة من المحظوظين، ومع ذلك فقد أنعشت تلك الجوائز الأمل في النفوس بإمكانية مستقبل مناسب للكتاب.

ويتابع: في مقاربتنا لموضوع مشاكل صناعة الكتاب علينا أن لا ننسى طبعا أننا ننتمي إلى دول العالم الثالث، حيث مازالت قيمة الكتاب مشكوكا فيها، وبالتالي فالحكومات لا تبذل المجهود المطلوب ليحتل الكتاب المكانة المناسبة التي يستحقها، ومع ذلك أظن أن الأمر معقد ومتداخل، فهناك مشاكل مرتبطة بالمجتمع ككل، تنعكس على وضعية الكتاب بشكل مباشر وغير مباشر كمعضلة الأمية والتقدير المعنوي للثقافة من قبل الدولة والمجتمع، كما أن الرأسمال العربي وأقصد هنا القطاع الخاص تحديدا لم يقتنع بعد بالاستثمار في الكتاب، كما أن التبادل التجاري المحدود في ما بين الدول العربية يجعل الكتاب لا يمرّ بسهولة من قطر إلى آخر، هذا فضلا عن وسائل الإعلام التي مازالت تتعامل مع الكتاب كمادة غير مرغوب فيها.

أظن أن الطريقة التقليدية في عرض الكتاب العربي عبر المعارض هي التي مازالت طاغية، فما زلنا لم نصل بعد إلى مرحلة يدعو فيها الناشر الكاتب إلى بلدان عربية كي يساهم في ترويج الكتاب بحضوره، فللأسف دور النشر عندنا غير مبادرة، وتكتفي بأضعف الإيمان والذي يتجلى في حضور المعارض وأحيانا كثيرة تتخلى حتى عن ذلك، فتنوب عن بعضها البعض وكأن حضورها فرض كفاية إذا قام به بعضها سقط عن البعض الآخر.

ويلاحظ الروائي أن الكتاب قد قطع أشواطا كبيرة في الشكل الفني، فأصبح من ناحية الجانب الفني جيدا، إذ أن نوعية الورق وتصاميم الأغلفة قد طالها كثير من التحسن، وهي في غالبها تتمتع بجاذبية لا غبار عليها، لكن للأسف يشتكي القارئ من غلاء ثمنها. وأظن أن دعم صناعة الكتاب من طرف الدول أضحى ملحا، حتى يصبح ثمن الكتاب مناسبا لجميع فئات المجتمع.

ظاهرة خطيرة تؤثر بصورة مباشرة على واقع صناعة الكتاب والنشر في مصر، وهي ظاهرة الحجر على الحريات

يقول: أظن عكس ما هو رائج أن شبكة الإنترنت تساهم في رواج الكتاب أكثر وليس في تراجعه، فقد أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي للكاتب ولدور النشر فرصة الترويج للكتاب بشكل أفضل، وإغراء القارئ بالإقبال عليه.

ويعتبر مصطفى الغتيري أن الكتاب والكتابة عموما هي العقل المحرك للإنسانية في معناها النبيل، فالكتب خزانة أفكار وأحلام وطموحات وأحاسيس، لذا سيظل الكتاب مرافقا للإنسان في رحلته الطويلة ولا يمكن لأحدهما التخلي عن الآخر، قد يتطور ربما شكل الكتاب ويصبح أكثر شعبية ومتداولا على نطاق واسع خاصة في شكله الإلكتروني، لكنني دوما متفائل بالكتاب ومستقبله.

أزمة التمويل والتضييق

من جهتها تؤكد فاطمة البودي مديرة دار العين للنشر أن عام 2015 شهد ظاهرة خطيرة تؤثر بصورة مباشرة على واقع صناعة الكتاب والنشر في مصر تحديدا، وهي ظاهرة الحجر على الحريات، فبينما نتفاخر بعدم وجود رقابة سابقة على المطبوعات والكتب المختلفة، وأنه لا توجد تلك الرقابة فعلا، فإن الذي حدث كان أخطر من ذلك، كما تقول، حيث تمّ الحجر على الإبداع من خلال التضييق على المبدعين، بل وإن بعضهم قد تعرض للسجن، وهذه أمور مستجدة.

وترى البودي أنه ومن بين التحديات والمعوقات التي واجهت الكتاب العربي وانتشاره بصفة عامة، ظاهرة منع مشاركة الأعمال في معارض عربية، أبرزها معرض الكويت الذي مُنع فيه العديد من الكتب من المشاركة، وكذلك معرض الشارقة فإنه قد اشترط أن يتم شرح محتوى كل كتاب مشارك، وإلا يمنع تداوله بالبلاد، وكذلك الحال في السعودية من تضييقات على الأعمال وعلى تداولها، فيما لم تبق سوى دول المغرب العربي التي تعدّ سوقا لا توجد فيها تعقيدات مثل باقي الأسواق والمعارض العربية التي ستؤثر فيها هذه التعقيدات سلبا على صناعة الكتاب.

وتشير مديرة دار العين إلى أن الأزمات السياسية دفعت في العديد من الدول العربية إلى تراجع الاعتماد عليها في نشر الكتب والتوزيع داخلها كذلك، وعلى رأسها سوريا واليمن، وكذلك ليبيا والسودان، فدولتا ليبيا والسودان كانتا من أهم الدول التي كان يتم الاعتماد عليها في نشر الكتاب المصري وتوزيعه.

وتقر فاطمة البودي أنه بين التحديات التي واجهت الكتاب العربي هي تلك التحديات القديمة والمستمرة والمتعلقة بأزمة التمويل التي تؤثر على النشر الخاصة بدور النشر، وتحدّ من آفاقها. فالأزمات الاقتصادية بمصر وبعض الدول العربية قد عززت من تلك الحالة.

التكنولوجيا والورقي

غلاء أسعار الكتب

وتقول الروائية اللبنانية نرمين الخنسا: كوني روائية ورئيسة اللجنة الثقافية في النادي الثقافي العربي الذي يقيم سنويّا معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، وقد اختتمنا الدورة التاسعة والخمسين منه في أول شهر ديسمبر من العام 2015، يمكنني القول إنّ الكتاب لا يزال على ازدهاره عبر حركته المستمرة في دور النشر وفي المكتبات وسوق العرض والطلب، سواء في لبنان بخاصّة، أم على صعيد المنطقة العربية بعامة.

فطالما أنّ كبريات معارض الكتب العربية تقام في مواعيدها السنوية، وتشهد حركة حضور وشراء من مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية، طالما أنّ حال الكتاب يبقى صامدا وعصيّا على إزاحته. وبالرغم من تطور الوسائط التكنولوجية وتعدّد وظائفها وأدوارها الحديثة، استطاع الكتاب أنْ يُبقي على مكاسبه الأساسية التي تكمن في المضمون والتعبير والترويج والتواصل الحضاري والعطاء الفني والخطاب الإنساني وسوى ذلك.

وتعتبر الخنسا أن أكبر مشكلة تواجه صناعة الكتاب في بلادنا العربية، نجدها في تعسر الأحوال الاقتصادية وفي معاناة الشعوب من غلاء المعيشة، فمؤسسات النشر لديها أرقى المواصفات التي تصنع بها الكتاب، من الطباعة إلى الإخراج إلى نوعية الورق والغلاف، لكنّ الناشر سرعان ما يصطدم بانكفاء نسبة الشراء وبغلاء تكاليف هذه الصناعة، بعيدا عن أيّ دعم حكومي له في بعض البلدان.

وتعتقد من جهتها أن أكثر مـا يـؤثر على حركة الكتاب كذلك، هو سيـل الأحـداث الكبـيرة والمأساوية التي عانت وتعاني منها بعض البلدان العربية، وهو ما دفع بالعديد من الكتاّب السياسيين والعديد من الروائيين إلى مواكبة هذا الخضم المفجع عبر تأليف الكتب المخصصة للتعبير عن قساوة هذا الواقع الهجين.

وتتابع: للكتاب ميزات كثيرة وغنية. فهو الشـيء الـذي تحتويـه أيـدينا بشوق لنعرف ما في داخله، ولننتقل معـه إلى رحـاب أخـرى مـن المعـرفـة والخيـال، ونحـو مدارك مختلفـة من اللغة والشعر والفن. والكتاب هو الشيء الذي نعرضـه في مكتباتنا المنزلية ليدل علينا.

كما ترى الروائية اللبنانية نرمين الخنسا أنه الأثر الذي يبقى محفوظا مئات السنين في المكتبات والجامعات والمؤسسات، ليقدم للجيل الجديد شواهد من التاريخ. لذلك لا أرى تهديدا تكنولوجيا حقيقيا لوجود الكتاب الورقي. خاصة وأن عامة الجماهير تحبّ الكتاب بحد ذاته.

15