الكتاب المقلق

الثلاثاء 2014/08/12

"ما يلزم من الكتب التي تضربنا مثلما تضربنا أكثر الكوارث إيلاما، مثل موت شخص نحبّه أكثر ممّا نحبّ أنفسنا، نحتاج كتبا تجعلنا نشعر أنّ شيئا ساقنا إلى أعماق غابة بعيدا عن بقية البشر، تجعلنا نحسّ بشيء يشبه الانتحار. يجب أن يكون الكتاب مثل فأس تضرب البحر المتجمّد في داخلنا".

يعبّر فرانز كافكا في رأيه هذا عن نوعيّة الكتب التي تغيّر وتقلق في مسارها وارتحالها في عالم القراءة، ذلك أنّ أيّ كتاب يحظى بحياة قد تطول أو تقصر، حسب الثراء الذي يشتمل عليه والتأثير الذي يمارسه. بين الإرسال والاستقبال، والقلق والإقلاق، برزخ دقيق فاصل، ترميز للفريد وتمييز للمكرّر.

الكتاب الذي لا يقلق ولا يربك ولا يستفزّ أو يثير القارئ ويهزّه من الأعماق يمرّ مرورا باهتا، لا يخلّف وراءه أيّ أثر أو عبق أو خطوط وتغييرات، ولن يعدو كونه تكرارا لما سبق كتابته ونشره، وما لوائح الأكثر مبيعا إلّا لعبة من ألاعيب التسويق، بعيدا عن عمق التأثير المفترض.

الكتاب الذي لا يتمكّن من الإبحار في الأعماق والإيغال في الدواخل وبثّ الدهشة والإبهار في نفوس القرّاء يظلّ محاولة للبحث عن جوهر الكتاب، أو طريقا إلى الكتاب المنشود المُقلق الذي من شأنه أن يعيد اكتشاف الغموض والأعماق في عالم يهيمن عليه الارتكان للكتاب المهادن رويدا رويدا.

كثير من الفنّانين والمبدعين الذين اضطرّوا لهجر مواطنهم إثر الحروب والنزاعات واللجوء إلى أماكن أخرى، حاولوا نقل تجاربهم وقلقهم إلى القرّاء، أرادوا أن تكون كتبهم مراسلاتهم إلى الآخرين المتقوقعين على ذواتهم، أرادوا إزاحة الحجب عن الأعين وتقديم صور عن الحياة خارج حدود الأنا الضيّقة وأسوار الذات المأسورة. تراهم كتبوا عن صراع المرء ضدّ ذاته وقواه الداخليّة، عن الأمل والحرّيّة والكتابة والوطن والمنفى والحبّ والكره والجمال والقبح، عن الحياة التي تستحقّ أن تعاش.

يمتاز الأدب بقوّة خياليّة محيّرة، يرسم خرائط للأرواح تنتقل في عوالمها بحرّية، تحلّق وتجنّح في فراديس متخيّلة، تكون الكتابة وسيلة لتحدّي الواقع والمنفى والحرب ورعب الماضي وقلق المستقبل. والكتاب بدوره يؤثّث حياة الكاتب وقرّائه بما يؤسّس لحياة حقيقيّة بعيدا عن التوريات والقشور.

حين تستعيد الكتب مواضيع مكرّرة تفقد جاذبيّتها، وتتّسم بالقلق المتجلّي في ثناياها، ولا تتمكّن من الإقلاق لأنّها لم تتأسّس على تجارب مميّزة أو لم تستطع التميّز فيما تخوض فيه. وفق هذا المنطلق، هل يكون هنري ميلر محقّا ومنصفا في قوله: "إنّ الكتب الفريدة نادرة، ربّما هي أقلّ من خمسين، في مخزن الأدب كلّه".

كاتب من سوريا مقيم في لندن

15