الكتاب المنتظر

الأحد 2016/08/21

لم تحظ حركة الترجمة، في الأزمنة الحديثة، في العالم العربي، بمثل الاهتمام الذي قيّض لها في نهاية القرن العشرين ومطلع الألفية الجديدة، بفعل المبادرات الخلاقة التي انطلقت، ولا تزال، رغم شكوى المتحمّسين من قلة المنجز (وأحيانًا، من نوعيّته) إلّا أنّ تلك المشاريع الطموحة لم يكن لتوجد، أصلًا، لولا حماسة البعض الآخر لخلق “مجتمع معرفة” قادر على العبور بالأجيال القادمة إلى مستقبل لا يكون خارج الزمن.

ففي العام 1999، تبنّى المجلس الأعلى للثقافة في جمهورية مصر العربية المشروع القومي للترجمة، تقديرًا “لأثر الترجمة الفعال في نقل التراث الإنساني العالمي في الفنون والعلوم والآداب” وانحيازًا “إلى ترجمة كلّ ما يؤسس لأفكار التقدم وحضور العلم وإشاعة العقلانية” عبر “ترجمة الأصول المعرفية التي أصبحت بمثابة الإطار المرجعي في الثقافة الإنسانية المعاصرة”. بيد أنّ المشروع قد توقف ليحل محلّه، بقرار جمهوري، وفي أكتوبر 2006، المركز القومي للترجمة. وفي العام 1999، تأسست المنظمة العربية للترجمة في بيروت، تحقيقًا “لمشروع طالما عبّر المثقفون العرب عن ضرورة إنجازه، بوصف الترجمة سندًا نهضويًا، سواء من حيث نقل المعارف ونشر الفكر العلمي أو من حيث تطوير اللغة العربية ذاتها”. وفي 2008، أطلقت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، في دبي، برنامج “ترجم”، توفيرًا “لزخم جديد في حركة الترجمة، يرتقي بها كمّا ونوعًا، ويجعلها رافدًا حيويًا للتنمية المعرفية في الوطن العربي، وجسرًا للتفاعل بين الثقافات الأخرى، وقناة للوصول إلى المصادر الأصلية للمعرفة”. ثمّ، وفي أواخر 2007، أطلقت هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث مشروعَ “كلمة” للترجمة، كبادرة “لإحياء حركة الترجمة في العالم العربي” و”تصديًا لمشكلة ندرة الكتب المتميّزة المترجمة من اللغات الأجنبيّة إلى اللغة العربيّة”.

لا تكاد تختلف المشاريع، آنفة الذكر، في رؤاها ومهامها الأساسية، على دور الترجمة في الوصول إلى المصادر الأصلية للمعرفة، وتقديم أرقى ما أنتجه الفكر البشريّ، في شتى المجالات، سعيًا إلى إحياء عصر كان يوزن فيه الكتاب المترجم بالذهب، معيدة إلى المترجم مكانته “المفقودة”.

ولكنّ الميزة التي تفرّد بها مشروع “كلمة” عن غيره، هي انفتاحه على كل مبادرة، فردية كانت أم مؤسساتية (مبادرة “جسور”، في العام 2010، على سبيل المثال) والتي من شأنها أن تفتح آفاق المعرفة على عوالم أرحب؛ وتكفّله، أيضًا، بتأمين حقوق الملكية الفكرية للعمل المترجم، مما يجعله في منزلة متقدمة على مشروع “ترجم” (ذي الميزانية الضخمة)، تمثيلًا لا حصرًا، والذي لا يتوجّه بالدعم، فقط، إلّا إلى دور الترجمة، دون الأفراد، وعدم تأمينه لحقوق الملكية الفكرية، بل يوكلها إلى الدار نفسها.

ولا يقتصر دور مشروع “كلمة” على الاستثمار في الترجمة (بوصفها “مهنة قائمة بذاتها”) فحسب، بل يتعدّاها إلى شراء الحقوق والطباعة والتوزيع، ودعم صناعة الكتاب العربي والترويج له عالميًا، ففي الدراسة التي صدرت بالفرنسية، برعاية من مؤسسة “ترانس أوروبيان” بباريس، وجامعة الدراسات الشرقية في نابولي، تحت عنوان “الترجمة من الإيطالية إلى العربية”، تناولت الباحثة كيارا ديانا إنجازات مشروع “كلمة”، مشيرة إلى “القفزة الجليّة التي حققها المشروع على صعيد حركة الترجمة، خاصة من الإيطالية إلى العربية، خلال فترة وجيزة”.

ولم يكد يقتصر دور المشروع الريادي على الترجمة وصناعة الكتاب فحسب، بل امتدّ ليشمل الأنشطة المختصة بالترجمة؛ كقيامه، في العام 2012، بتنظيم “مؤتمر أبو ظبي الدولي للترجمة”، في أثناء معرض أبو ظبي الدولي للكتاب، تحت شعار “الترجمة وآفاق اللحظة الراهنة”، ثم، وفي العام 2013، تحت شعار “تمكين المترجمين”؛ وفي العام 2014، تحت شعار “الهوية والتواصل الثقافي”.

ولا عجب أن تكلّل هذه المسيرة، الصغيرة في عمرها، الكبيرة في إنجازاتها، بجائزة الملك عبدالله العالمية في الترجمة في دورتها الخامسة (2012). وهي مسيرة لا بُدّ أن تتواصل، وتستمرّ لنكون قادرين على بلوغ ينابيع المعرفة الأصلية ونقلها إلى العربيّة، خاصة حين نعلم أنّ تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2003 (الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الصناعي والاجتماعي) قد أشار إلى أن حصة العرب من الكتب المترجمة لا تتعدّى 330 كتابًا سنويًا، بمعدل كتاب مترجم واحد لكل مليون عربي، مقابل 519 كتابًا مترجمًا لكل مليون نسمة في أسبانيا، على سبيل المثال.

كاتب من الأردن

11