الكتاب بيت المعرفة والمكتبة ذاكرة المدينة ومفتاح المستقبل

الثلاثاء 2014/08/12
أن تكون المكتبات ديكورا من الورق على الرفوف، ليس غريبا عن مجتمعات لا تقرأ

الكتاب والمكتبة دليل صريح على تطور حاجيات الإنسان اللصيق بالتطور الإنساني، حيث واكبا تطور الحاجة البشرية سواء المادية منها أو المعنوية، فأصبحنا اليوم نتحدث مثلا عن كتب رقمية وتحميل كتب ومكتبات على الأنترنت وغيره.

لكن هاتين الحاجتين على أهميتهما فإنهما ظلتا إلى اليوم ملتبستي المفهوم والقيمة عند الشعوب العربية. لذلك نطرح مفهوميهما وقيمتيهما في ظل عملية التطور، ونحاول أن نضعهما محل تمحيص.

لنصطلح بداية على شيء نعرفه جميعنا، لكننا لم نفكر في مفهومه، الكتاب. في اللغة العربية الكتاب هو الأجل، وهو الرسالة، أيضا هو الصحف المجموعة، هنا نلاحظ تعلق مفهوم الكتاب بالزمن ووظيفة التجميع. من هذا المصطلح نمر إلى مصطلح آخر هو المكتبة، التي يمكننا فهمها على أنها مكان تجميع الكتب وتخزينها إما للقراءة أو للبيع.


حافظة ذاكرة


نلاحظ اشتراكا هنا بين مفهومي الكتاب والمكتبة، فكلاهما يقوم بالتوثيق والجمع، أوراق تجمع مكتوبا، أيا كان نوعه، وكتاب يجمع الأوراق، ومكتبة تجمع كتبا. بما أن الكتابة فعل تاريخي بامتياز، يهدف إلى الإفادة طبعا، نجد أنه يمكننا أن نطلق على الكتب جماعة تواريخ، أو حافظة ذاكرة إنسانية. وبالتالي المكتبة هي الأخرى حافظة ذاكرة، في إنسانية يمثل لها التاريخ وجودها.

تصوروا معي إنسانا خارج التاريخ، أو دون تاريخ، ذلك مستحيل طبعا. وهو يعي ذلك حتى دون قصد منه، الإنسان مجبول على فعل التاريخ، كلنا نريد تأريخا لذواتنا الفعلية أو لإنسانيتنا عامة، نريد أن نقول ونثبت أننا هنا من خلال كتابتنا وحفظنا التاريخ وصنعه، ولا أقصد هنا التأريخ كما هو متعارف عليه، بل أستند إلى أن كل أفعال الإنسان تاريخية، الفن والأدب والفلسفة والعلم، كلها صلب التاريخ ومساره، وليست خارجه بل هي منه.

المكتبة إذن حافظة ذاكرة في عالم دون ذاكرة في الأصل، إنها مؤرخة الإنسانية والمعنى في عالم دون معنى، شأنها في ذلك شأن المعالم التاريخية، أو النصب التذكارية، شأنها شأن كل الدلائل والآثار التي تسردنا وتخبئ لنا ذاكرتنا وأفعالنا في جوفها، وتذكرنا بأننا هنا كي لا ننفرط في الضياع. لكن المكتبة تعدّ أكبر وأهم المعالم التي تحفظ ذاكرة الإنسان وترشده على الدوام إلى طريقه نحو المعنى.

إن شح القراء، واضمحلال فعل القراءة تدريجيا ساهما في التردي الأدبي والعلمي الذي تعرفه جل الدول العربية

لكن لا يذهبن الظن بكم إلى أن المكتبة مجرد معلم للماضي، بل هي فوق ذلك، إنها الناجية الوحيدة من الزمن، لا تعترف بماضيه أو حاضره أو مستقبله، بقدر ما تسعى إلى أن تكون ذاكرة مستمرة، ذاكرة يمكنها حتى التطلع إلى المعنى المقبل لا الماضي فحسب. فهي جماعة كتب مهما كان نوعها، أدبا أو فكرا أو علما، ترافق مسار الإنسان التاريخي، بل هي أرقى أفعاله حتى اليوم. اللغة مكتبة أصوات ومدلولات، الموسيقى مكتبة أصوات، الرياضيات مكتبة أرقام، استنادا إلى أن كل حافظ ومخزن للذاكرة يمكن الإفادة منه هو مكتبة، لكن لنتحدث عن مكتبة الكتب في هذا الحيز، المكتبة الذاكرة تلك التي نفيد منها لتكون النافذة المثلى نحو المعرفة، نحو الماضي والحاضر والمستقبل.

أولت المجتمعات إنشاء المكتبات اهتماما كبيرا، وكلنا نعلم المكتبات الشهيرة مثل مكتبة الإسكندرية، مكتبة الكونغرس، المكتبة الوطنية الصينية. كما انتقل الولع بالمكتبات من العام إلى الخاص، لتكون لكل فرد مكتبته الخاصة في بيته.

تطورت المكتبة تاريخيا، لتنقسم المكتبات اليوم إلى أنواع عدة، فهناك المكتبات الورقية التي تنقسم بدورها بين العامة، أي المشتركة، والخاصة أي الفردية. كما نجد المكتبات الرقمية المتنوعة على شبكة الأنترنت والمعدة للتحميل في ذاكرة جهاز أو قرص مضغوط. لكن الهدف واحد ألا وهو حفظ المعنى والتاريخ والذكرى، والإفادة من الكتب.

فما هو حال المكتبات اليوم عند العرب؟


مكتبات من لا يقرؤون


أشدّ ما يجعلني أبهت اليوم هو تحول المكتبات الخاصة والعامة في العالم العربي إلى مجرد ديكور مستند إلى جمالية الكتاب، أو إلى مفاخرة بالمعرفة. نعم أقرّ بضرورة الاعتناء بالكتب وبجماليتها وتصفيفها وترتيبها وفق جمالية ما، وهذا مفهوم المكتبة شكلا، لكن الهدف المحوري من الكتاب ليس القشرة والشكل فحسب، بل المضمون والإفادة منه، أو نتحوّل إلى مجرد جامعي علب أو ألبومات فارغة بغاية ترفنا الجمالي.

لكن أن تكون المكتبات بين ديكور وقبور من الورق على رفوف، ليس غريبا عن مجتمعات لا تقرأ. فالنسب المتداولة صادمة حقا، تبعث جزعا مدويا، فمن الأرقام مثلا، نجد أن العربي يقرأ فقط 6 دقائق في السنة، مقارنة بالأوروبيين، الذين يعادل متوسط وقت قراءة الفرد عندهم الـ200 ساعة سنويا.

ربما يعيد بعضهم ذلك إلى أسباب عدة أهمها ترف المعيشة الغارقة في الاستهلاك في البلدان النفطية، والفقر والحاجة التي تضرب أغلب الدول العربية الأخرى، أو عدم وجود ثقافة قراءة عندنا وانعدام أهميتها في التربية والتعليم، أو غلاء الكتب وعدم توفرها. أسباب عدة لكن النتيجة ثقيلة جدا، بوصفها ما قيل في العرب "إنهم شعوب لا تقرأ وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تطبق وإن طبقت لا تتوخى الحذر".

المكتبة هي الناجية الوحيدة من الزمن، إنها ذاكرة مستمرة، في عالم دون معنى أو ذاكرة

لكم ان تنظروا إلى الحال العربي من الشمال إلى الجنوب، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، شعوب لا تتطلع إلى المعرفة أو المعنى، لا تتطلع إلى تاريخها وحاضرها ومستقبلها شعوب غير محظوظة، بناء على المثل الشركسي “يكفي المرء حظا أن يعرف تاريخ أمته”. حقيقة يجعلنا هذا نقر أن هناك أزمة وعي حادة لدى العرب، ويبدو هذا جليا من خلال مكتباتهم الخاصة منها والعامة. مكتبات عامة فقط للمعرفة الانتقائية الشحيحة، ومكتبات خاصة للديكور والترف الجمالي السطحي.

إن شحّ القراء، واضمحلال فعل القراءة تدريجيا ساهم في التردي الأدبي والفني والعلمي الذي تعرفه أغلب الدول العربية اليوم، ولكم أن تتثبتوا في ما ننتجه ثقافيا وعلميا لتتبينوا العرج الذي ينخر المستوى الحضاري للعرب. فشعوب لا تقرأ هي بالضرورة شعوب لا تنتج.


الإفادة من الكتب


ربما تكون بادرة مثل إنشاء الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، الذي يسعى إلى خلق أشكال جديدة من الخدمات والمواد المكتبية مواكبة لتطور العصر، خطوة مهمة نحو التفكير جديا في تطوير مكتباتنا العامة. لكن يبقى الإشكال قائما هو أن هذه البادرة لا يمكنها بمفردها إلا أن تكون يتيمة معزولة أمام غياب القراء، وانعدام الرغبة في القراءة.

ربما كان التعليم هو مفتاح إصلاح الأمة، لذلك من الضروري غرس فعل القراءة في الفرد منذ الطفولة، والترغيب فيها بأساليب مبتكرة، وإن وجود مكتبة مهما كان حجمها، داخل كل بيت لهو أمر ممكن، فقط مع وجوب الاستفادة من المكتبة عامة كانت أم خاصة. يجب أن نعاملها ككاشف ضوئي يخرجنا من العتمة لا كقطعة أثاث جامدة. وحدها هي المكتبات التي يمكنها إصلاح الحال العربي العام والخاص، وحدها التي يمكنها محاربة التطرف والجهل، وحدها التي تضع رفوفها ودفات كتبها درجات سلالم نحو أعالٍ أنقى.

15