الكتاب بين النرجسية والغرور

السبت 2014/06/07

يكاد الناس يُجمِعون على نبذ النرجسية، ولكن قد تعتري الإنسان حالات يكون فيها نرجسيّا رغما عنه. فالرجل الذي يستمع إلى صوته بإعجاب، وهو يُدندن في الحمّام بلحن ما، والمرأة التي تسبّح للباري وهي تتجمّل فوق ما يقتضيه التجمّل، والشابّ الذي يطيل التحديق في المرآة وفي الواجهات البلّوريّة، وهو يتملّى هندامه وتسريحة شعره، هي من أشكال النرجسيّة المعتادة. فهي ليست حالة مرضيّة، إلاّ إذا تحوّلت إلى نوع من الغرور وتضَخّم الذات. عندئذ، تصبح مثيرة للضحك أو الشفقة وحتى الرثاء. خصوصا لدى الأدباء، حيث تنتشر في صفوفهم بشكل فظيع. ونجد ذلك لدى المتمرّسين والمبتدئين على حدّ سواء، فأمّا الأوائل فيحيلونك على بضع من عناوينهم المنشورة كي تعلم أنّهم مجددون حداثيون طلائعيون، وأن أعمالهم استباقية تنبّؤُوا فيها بثورات الربيع العربي قبل قيامها بربع قرن… وقد يُسِرّ إليك أحدهم بأن لغته لا يُدانيها الجاحظ ولا التّوحيدي، وأن منجزه .الأدبيّ يفوق في عمقه وقيمته عيون المدوّنة الأدبيّة المعاصرة بتمامها وكمالها.

وأما الأواخر فيلغون بجرة قلم تجارب السابقين، ولا شيء أحبّ إلى أنفسهم من الحديث عن تجربتهم، فكثيرا ما تسمع هذا الشاب أو ذاك ممن لم ينشروا غير محاولات متفرقة في الصحف والمجلات ينتقد قصيدة النثر، ثم شعر التفعيلة، ثم الشعر العمودي فلا تفهم في أي جنس ينزّل قوله، ويشرع في تدمير القدامى والمحدثين الذين جانبوا في ظنه الشعر الخالص ولم ينفذوا إلى جوهره، ثم يضرب النضد بكفّه ضرْبَ من ينطق بجواب مُسْكِت، ويصرّح دون أن يطرف له جفن : ” مِن هنا يبدأ الشعر !”

وآخر يفتح أمامك ديوانا يحوي بضع قصائد، فيقرأ منها ما تيسّر بانتشاء بالغ، غير عابئ بالأخطاء واللحن، ثم يطلق صيحة إعجاب لا يشاطره فيه أحد : ” الله ! الله !” أي ما معناه : “ما أروعَ شِعري وما أبدع صُنْعي !” على طريقة كَعْب بن زهير وكان إذا أنشد شعرا قال لنفسه : “أحْسَنْتَ وجاوَزْتَ والله الإحسَان !” أو الكُمَيْت، وكان إذا قال قصيدة صنَع لها خطبة في الثّناء عليها، وردّد بعد إنشادها : “أيّ عِلم بين جَنْبَيّ ! وأيّ لسان بين فَكّيّ !”

كان ذلك قبل أن تقتحم وسائل الاتصال الرقمية حياتنا، وتحل المواقع الاجتماعية محل المجالس الخاصة، وينفلت من العقال خطاب نرجسي باتولوجيّ استشرت عدواه في فضاءات الشبكة، يبدو أمامه الخطاب السابق متّسما برصانة الحكماء واعتدال العقلاء.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17