الكتاب للنار، لا للقراءة

السبت 2014/01/11

احترق صوت المذيعة وهي تنقل نبأ الحريق الذي أتى على مكتبة السائح في طرابلس اللبنانية التي صارت تحسد طرابلس الليبية على نعمة الصراع المسلح الأقل شراسة.

تلقيت النبأ بالتمسحة التي أتلقى بها أنباء الحرائق والتدمير والقتل في هذا الربع أو ذاك من ربوع “سوريا يا حبيبتي” أو من ربوع “وطني حبيبي الوطن الأكبر”. لكن الصوت التليفزيوني المحترق عاجلني باسم الأب إبراهيم سروج صاحب مكتبة الحريق، فانتظرت حتى انتهى النبأ المتبّل كالعادة بالتوابل التي تزيد النار اشتعالا، وتلفتّ أبحث عن ربع قرن مضى، أو أكثر، كي ألاقي الأب إبراهيم سروج أول مرة في حمص، في معرض للكتاب كانت تقيمه دار الحوار في مقهى الروضة. وقد أرسى ذلك اللقاء للصداقة بين الأب إبراهيم وبيني، وبين مكتبة السائح الطرابلسية ودار الحوار اللاذقانية. لكن الخيوط تقطعت بعد سنوات قليلة، وربما كانت ستظل كذلك لولا الفضل السابغ للحريق الذي أنعم به من يوزعون النعم السماوية يمينا وشمالا وعلى جنوبهم، فإذا بهم لا يقلون كرما عن أشرس الديكتاتوريات.

***

عندما غادرني الصوت المحترق أسرعت إلى الاتصال بالصديق عبدالرحيم قمحية في حمص، وهو الذي اضطره وأسرته القتال إلى النزوح من بيته في حي القصور إلى واحد من أطراف المدينة الأقل احتراقا. ولعبد الرحيم أيضا دار اليمامة للطباعة والنشر، في حي القرابيص، حيث كوّم القصف الطوابق العليا من البناية على الطوابق السفلى، وفي أسفلها مقرّ المطبعة ودار النشر: بسلامتكم.

كان الهمّ الأكبر لعبدالرحيم قمحية هو مصير مكتبته الزاخرة بالمخطوطات، وكان تحقيق المخطوطات وتدقيق المحقق منها، ونشره، هو عمل وهاجس وعشق عبدالرحيم قمحية. وقد كان في الأيام والأسابيع الأولى بعد نزوحه، يجرب الاتصال بمن لم ينزح بعد من جيرانه، ليطمئن على المكتبة. ولما لم يبقَ من الجيران مقيم، صار يتصل ببيته، ومن رنين الهاتف يستمدّ طمأنينة. ثم اشتبكت الطمأنينة بنقيضها عندما أجابه من البيت مجيب، فلم يسأله عمن يكون، ولا عمّا يفعل في البيت، بل أوصاه بمكتبته خيرا، وظل يكرر الوصية يوما بعد يوم، ويمعن في تخيّله لاستجابة من احتل البيت، ولوفاء المحتلّ بوعد المحافظة على المكتبة، حتى خرس الهاتف. وبعد دهر من القلق الأخرس سيعلم عبدالرحيم بمصير بيته ومكتبته، حيث لم يكن الدمار وحده كافيا، فجاءت النار بردا وسلاما.

هذه المرة لم يردّ عبدالرحيم عليّ، فالخلوي والأنترنت والهاتف العادي مثل الكهرباء والماء، ليست ميسورة غالبا جدا للصديق الحمصي، لذلك لم أتمكن من أن أسأله عمّا إذا كان من أحرق مكتبته هو من أحرق مكتبة السائح نفسه، وعن الفرق بين الفاعلين إن كانا اثنين.

***


في صيف 1973 كنت أؤدي الخدمة الإلزامية في مدرسة المشاة في المسلمية قرب مدينة حلب. وقد باتت المسلمية منذ شهور على كل شفة ولسان من شفاه وألسنة الشاشات، بفضل القتال حولها وفيها. وفي واحد من الدروس العسكرية، جلسنا على الأرض في حلقة واسعة، وتوسط الحلقة ضابط وتنكة، وكان النابالم هو موضوع الدرس. غافلت الضابط، وخلف ظهر من كان إلى يميني أخفيت كتابا ما عدت أذكر عنوانه، لكني أذكر أنه كان لنايف حواتمة حول اليمن الديمقراطية الشعبية: اليمن الجنوبي سابقا.

فجأة انقض الضابط على الكتاب وانتزعه من يدي، وأمرني بالوقوف، ثم تهادى إلى التنكة التي كانت تتوسط الحلقة، واغترف منها بمغرفة: هذا هو النابالم إذن، وها هو الكتاب، وها هو الضابط يخرج القداحة الديبون.

اندفعت إلى الكتاب المحترق، فرماه الضابط أرضا، ورماني أرضا.. وبعد عشرات السنين غدا الكتاب كتبا، وتخلّق النابالم في قميص من بعد قميص، كما يقتضي التقمّص، وكما تقتضي نِعَمُ من يوزعون النعم السماوية يمينا وشمالا وعلى جنوبهم، فإذا بهم لا يقلون كرما عن أشرس الديكتاتوريات، لكن السؤال لا يفتأ يشخب عمّن أحرق مكتبة السائح أو مكتبة عبدالرحيم قمحية، وعن الفرق بين الفاعلين إن كانا اثنين، أو عن الفرق بينهما وبين ذلك الضابط (الأشاوس)، فهو مفرد بصيغة الجمع.


* كاتب من سوريا


16