الكتاب والتقاليد الضارة

السبت 2017/01/07

يتباكى الكثير من الأدباء والصحافيين والكتّاب اليوم على تراجع نسبة القراءة وتردّي مبيعات الكتب الورقية، من دون أن يسألوا أنفسهم عن حقيقة مساهمتهم أو ردّة فعلهم إزاء هذا الواقع، متناسين في الغالب تقصيرهم في دعم الكتاب المطبوع بشراء نسخة منه أو الحرص على اقتنائها.

لقد أدّت فوضى النشر الإلكتروني وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا إلى الكثير من التقاعس والسلوكيات والتقاليد المضرة التي تعمل ضد انتشار الكتاب أو المطبوعة، وعلى رأس تلك السلوكيات عزوف الكتّاب أنفسهم عن شراء الكتاب، من دون الانتباه إلى النتائج المضرّة لهذه السلوكيات وتأثيرها السلبي على الكتّاب والناشرين كمعنيين في عملية تسويق الأدب وإنتاجه وتوزيعه.

لقد انتشرت في السنوات الأخيرة على سبيل المثال ظاهرة الإهداءات الخاصّة وانتظار الكثير من الكتّاب والنقاد والصحافيين نسخهم التي يتوجب على المؤلف إيصالها إليهم بالمجان بعد أن يدبجها بكلمات الإهداء الرقيقة، متناسين الجوانب المضرّة التي تنتج عن هذه العملية، ناهيك عن القدوة السيئة التي يمكن أن تعطيها للأجيال الجديدة من الكتّاب والقرّاء على حدّ سواء.

إنّ واحدا من أهم عوامل الاحترام للكاتب والناشر هو اقتناء كتابه الذي يحتوي خلاصة تجربته الإبداعية المريرة وجهوده المضنية في تأليفه، كما أن عملية شراء نسخة من كتاب ما قد تعدّ مؤشرا مهمّا بالنسبة إلى الناشر لجهة انتشار الكاتب وقياس شعبيته، إن لم يكن وسط جمهور القرّاء، فعلى الأقل وسط زملائه المثقفين والمبدعين.

وبالنظر لانخفاض نسب مبيعات الكتب في العقود الأخيرة في عالمنا العربي، والتي أصبحت لا تتجاوز الألف أو الألفي نسخة في أحسن الأحوال للأسف، فإنَّ أيّ كمية تُباع من الكتاب تعدّ دفعة معنوية مهمة للناشر، وبالتالي للكاتب في ما ينعكس على نسبته من حجم المبيعات كما هو متعارف عليه، والغريب أن أغلب الكتّاب يتباكون على تراجع نسب مبيعات كتبهم، لكن في الوقت نفسه لا يحركون ساكنا ولا يشترون نسخا من كتب زملائهم، إلّا في بعض الاستثناءات المحدودة.

ويهمني هنا أن أسوق مثلا كنت شاهدا عليه في معرض بيروت الدولي للكتاب الأخير، حين جاء الكثير من المثقفين والأدباء العراقيين إلى جناح دار الآداب أثناء حفل توقيع روايتي مطالبين بنسخهم المجانية، متناسين أن ما أمتلكه من نسخ حسب عقد الدار لا يتجاوز خمسا وعشرين نسخة فقط، نفدت منذ الأسابيع الأولى لصدور الرواية، لكن في الجانب الآخر أدهشني إصرار الكتّاب والنقّاد الكبار المعروفين، على اقتناء نسخهم من الرواية ودفع ثمنها وتقديمها للتوقيع عليها.

ترى ما الذي يدفع أسماء مهمّة وكبيرة في عالم الأدب والنقد والنشر من أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي وبرهان الشاوي وعلي بدر وعلوية صبح وأنسي الحاج وإلياس خوري وعباس بيضون وغيرهم الكثير، إلى الإصرار على اقتناء نسخهم من الروايات والكتب التي يرونها مناسبة للقراءة والاطلاع عليها؟ إنه لا تدفعهم سوى رغبتهم في احترام الكاتب والناشر وحرصهم على ترسيخ تقاليد راقية نحن بأمسّ الحاجة إليها، وربما رغبتهم في أن يكونوا القدوة الحسنة للكتّاب والقرّاء الجدد.

لقد أفسدت بعض دور النشر الهامشية وبعض الكتّاب المغمورين تقاليد احترام الكتاب وتقدير الجهد المبذول في تأليفه ونشره، حتّى باتت قضية الإهداءات ظاهرة مؤذية ومحرجة بالنسبة إلى الكاتب والناشر الذي يعتزّ بجهده وسمعته وتقاليده، وأخيرا فإن شراءنا لنسخة من الكتاب ليست مجرّد دعم أو تقدير للكاتب والناشر فحسب، بل هي تقدير واحترام لذاتنا الثقافية والإبداعية نفسها، وإذا كان الكاتب نفسه لا يقدّر الكتاب ولا يشتريه، فلماذا يتوقع من القارئ أن يفعل ذلك؟

كاتب من العراق

15