الكتاتيب القرآنية بالمغرب موروث ديني واجتماعي يعزز قيم التسامح

يعد المغرب من أكثر الدول الإسلامية، حفاظا واعتزازا بموروثه الروحي المبني على قيم الاعتدال والوسطية، وذلك بفضل الرعاية المباشرة من أعلى السلطات التي حققت هذا التوازن بين الاجتماعي والديني في الشخصية المغربية، ووظفت التعليم التقليدي كعنصر يكمّل المؤسسة التربوية دون أن يعوضها.
الخميس 2017/09/07
تقليد مغربي لا يقطع مع الماضي ولا يجافي الحداثة

الرباط - عُرِفَ المغرب بحفاظه على موروثه الثقافي والديني عبر المئات من السنين، وتعتبر الكتاتيب القرآنية أو ما يصطلح عليه في الجنوب المغربي بـ”المَحْضَرَة”، إحدى اللبنات الأساسية للعلم والمعرفة، حيث تكوّن فيها خيرة المثقفين ورجال الدولة والعلماء والفقهاء. كما ساهمت في المحافظة عبر أجيال متتالية على اللغة العربية في أدائها وقواعدها، وحصنت عقيدة المغربي وهويته.

فالكتاتيب القرآنية أو “المحضرة” بالمغرب يمكن أن تكون مرفقا تابعا للمساجد أو الزوايا، أو خيمة في بادية صحراوية، أو بيتا بأحد الأحياء السكنية، خصص لغرض تحفيظ القرآن وتعليم اللغة والفقه، وتعتبر أحد أهم روافد مدارس التعليم العتيق.

وقال أبوحازم محمد تقي الله، وهو أحد الفقهاء المعلمين المتخصصين في تحفيظ القرآن والقيام على محضرة بإقليم طانطان لـ”العرب”، إنّ للكتاب القرآني أو المحضرة دورا تكميليا للطالب الذي يتابع دراسته بالتعليم العمومي بل هو الأساس وركيزة تتأسس عليها العلوم الأخرى، حيث يقوم القيمون عليه بتدريس العلوم الشرعية كالحديث والتفسير وأصول الفقه وهذه العلوم.

وأكد أبوحازم، أن هناك إقبالا كبيرا من الأهالي لتعليم أطفالهم داخل المحاضر، لاقتناعهم بأن تعلم القرآن أول البركات وأول الفيض.

وتعنى الدولة بهذا النوع من التعليم حيث أمر العاهل المغربي الملك محمد السادس بتخصيص جائزة للكتاتيب القرآنية بهدف دعم دورها في تكوين الناشئة المسلمة، وتثبيت قيم الاستقامة والصلاح والاعتدال والتسامح، إضافة إلى مواكبة العصر والاستفادة من الوسائل والمعدات التعليمية مع المحافظة على أصالة الكتاتيب وهويتها.

حافظ القرآن تبوأ مكانته المتميزة داخل المجتمع المغربي منذ القديم، فتجده حاضرا في كل المناسبات بصدر المجلس

وعندما يتيسر حفظ القرآن تتوالى الرغبة في تعلم العلوم المرتبطة به، بالإضافة إلى المساعدة على تعميق المعرفة بالعلوم التي يكون بها تقصير في تعليمها داخل المؤسسات التعليمية الأخرى، وشدد أبوحازم محمد تقي الله، على أن المحضرة لا تعوض التعليم العمومي وإنما تكمله في الجوانب التي يقصر فيها.

وتوقيت الدراسة في المحضرة أو الكُتَّاب القرآني مختلف حسب المناطق والفصول، ويقول المتخصص في تحفيظ القرآن لـ”العرب” موضحا “يبتدئ كل يوم ما عدا الجمعة من بعد صلاة الصبح وتكون هناك فترة استراحة للغداء ثم تستأنف الدراسة إلى وقت صلاة العصر. وأكد أن هذا النظام يمكن أن تطرأ عليه بعض التعديلات تماشيا مع العصر ورغبة الطلبة”.

وفي الغالب وعندما ينتهي الطفل من دراسته في التعليم العمومي يلج المحضرة في فصل الصيف لحفظ القرآن وصقل معرفته باللغة العربية وقواعدها.

وقال تقي الله، إن الطفل يبدأ بحفظ القرآن في الغالب في سن السادسة، لأن في هذه السن يكون الطفل قد كمل إدراكه وأصبح يميز قليلا، وتكون هناك صعوبة في التواصل مع الأطفال دون هذا السن.

تبوّأ حافظ القرآن مكانته المتميزة داخل المجتمع المغربي منذ القديم، فتجده حاضرا في كل المناسبات بصدر المجلس في الأفراح والأتراح أو أثناء عمليات البيع والشراء، أو خلال عقد قران أو صلح بين طرفين متنازعين وفي كل المناسبات، ناهيك عن المكانة التي كان يحظى بها خريج الكتاتيب القرآنية لدى صاحب السلطة السياسية في المدينة أو البادية.

تلك المكانة جعلت الكتّاب القرآني أو “المحضرة” يحظى بأهمية خاصة لدى مجموعة من الأسر المغربية، حيث يتداخل فيها ما هو روحي واجتماعي يساهم في دفع أبنائهم إلى الانخراط في سلك الدارسين بالكتاتيب.

في هذا الصدد قال محمد حازم تقي الله، إن اختيار المحضرة طريقا لتعليم أبناء الأسر المغربية نابع من تقاليدها وإيمانها وحرصها على المحافظة على هذا الإرث الديني والروحي، ولنا في ملوك المغرب أفضل الأمثلة فقد كان الكتّاب ولا يزال أساسيا في تربيتهم وتكوينهم الديني واللغوي.

عندما تدلف داخل الكتّاب تجد المتعلمين يفترشون الأرض في صفوف متراصة ومنتظمة، وأمامهم المعلم الذي يعين لكل طالب سورة يحفظها عن ظهر قلب بعد تكرارها مرارا حتى تترسخ في ذهنه. ويقوم المعلم بين الفينة والأخرى بتصويب الأخطاء في التلاوة حتى تكون مخارج الحروف صحيحة.

وقال القيم على محضرة أبوحازم بطانطان، “إنهم لا يزالون يحتفظون بالأساليب القديمة في التحفيظ ووسائل الكتابة المكونة من ألواح خشبية وأقلام من قصب، وبانتهاء الطالب من حفظ ما تم تدوينه على لوحه يقوم باستظهاره للمعلم ثم يقوم بمحو وجه اللوح الذي انتهى منه، وكتابة آيات قرآنية أخرى عليه”.

يتم تلقين الطفل داخل الكتاتيب أبجديات الحروف اعتماداً على الألواح الخشبية التي تطلى بالصلصال ويكتب عليها بقلم من قصب بعد أن يغمسه في محبرة مداد (الصمخ)

ويتم تلقين الطفل داخل الكتاتيب أبجديات الحروف اعتماداً على الألواح الخشبية التي تطلى بالصلصال ويكتب عليها بقلم من قصب بعد أن يغمسه في محبرة مداد “الصمخ”.

وتتكون تركيبة الصمخ من مسحوق الفحم الذي يوضع في إناء مع قليل من الماء والصمخ وهي عبارة عن صوف خاص حتى يتخثر الخليط ليكون صالحا للكتابة بواسطته. وعن أصالة التعليم وجودته داخل الكتاب القرآني، قال أبوحازم محمد تقي الله، إن المَحَاضِرُ تعتمد منهجية وسطية في التدريس والتي لا تخرج عن الحنفية السمحة في فهم النصوص، ومحاولة الاجتهاد في النوازل بما يتناسب والتطور الحاصل وليس فقط الاكتفاء بالوقوف على النص حرفيا والتعصب له. إننا نعمل على فهم النص في إطار فقه مقاصدي ورفع الحرج وتيسير أمور الناس بعيدا عن كل غلوّ وتطرف.

ويعتبر الطلبة الفقيه المُلَقِّن بمثابة والدهم حيث يقوم بتحذير من يغفل عن درسه أو يقوم بالمشاغبة أو الذي يتخلف عن الدرس دون مبرر معقول. ويمر الفقيه من التحذير إلى الضرب على الأيدي والأرجل عقابا لهم كي لا يعودوا إلى مثل تلك الأفعال.

ويقول الفقيه محمد تقي الدين، بالرغم مما لهذا الأسلوب من أثر تربوي إلا أنه “بالمقارنة مع الأزمنة الماضية، قد أصبحنا لا نلجأ إليه كثيرا”.

ويتقاضى المعلمون داخل الكتاتيب القرآنية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، منحا تشجيعية، وفي الأغلب يكون هؤلاء القيمون على الكتاتيب أئمة بالمساجد، أو متطوعين يتقاضون رواتبهم غير النظامية من أهل الطلبة.

وطالب الكثير من المتابعين للشأن الديني في المغرب الرفع من قيمة الكتاتيب القرآنية والمشرفين عليها، وربطها بكل مفردات ومستجدات العصر التكنولوجية والمعرفية والاهتمام بالمشرفين على الكتاتيب القرآنية التي وصل عددها إلى 13609، ويدرس بها 376635 طالبا، إناثا وذكورا ومن جميع الفئات العمرية، وذلك تحصينا لهذا الموروث وتقوية له.

13