الكتاتيب القرآنية في الجزائر.. تعليم ديني مكمل أم مفرخة للتشدد والمذهبية

تحولت الكتاتيب والمدارس القرآنية في الجزائر، إلى مصدر تخوف لدى السلطات، بسبب مؤشرات توحي بانزلاق البعض منها نحو تلقين التشدد والمذهبية، وانحرافها عن الدور التقليدي في تلقين القرآن الكريم، وتعليم أصول الدين لمرتاديها، وهو ما دفع الحكومة إلى إعداد ندوات متخصصة قريبا، من أجل احتوائها في منظومة تعليمية موحدة، لا سيما بعد ثبات استقطابها لأعداد معتبرة من الأطفال خاصة خلال فترة العطل الدراسية الرسمية.
الثلاثاء 2017/08/08
ماذا علمتموهم

الجزائر - ستحتضن مدينة غرداية بجنوب الجزائر، في غضون الأسابيع المقبلة، أولى الندوات المتخصصة حول توحيد منظومة التعليم الديني في البلاد، واحتواء جميع الكتاتيب والمدارس القرآنية تحت وصاية الحكومة، تفاديا لأي نشاط مواز لتلك الهيئات وفق تصورات وأفكار لا تتوافق مع المنهجية الدينية التي تعتمدها الجزائر.

وتفاقمت مخاوف السلطة من نشاط الكتاتيب والمدارس القرآنية، مع تنامي تغلغل مختلف الأفكار والمذاهب الدينية في الجزائر، خاصة وأن نشاطها، منذ نشأتها أثناء الحقبة الاستعمارية إلى غاية الآن، ظل بعيدا عن رقابة السلطة، مما سمح لبعض الناشطين في السنوات الأخيرة بتوظيفها في تسويق أغراض وتصورات دينية، باتت تشكل عاملا مقوضا للاستقرار الديني والأيديولوجي.

وظلت الهيئات التعليمية المذكورة محافظة على استقلالية ذمتها المالية والبرامجية، حيث تتكفل عائلات معينة، وما يعرف بنظام “تاجماعت” الاجتماعي في بلاد القبائل، بتكاليف التدريس والإقامة والغذاء للعشرات من الطلبة الذين يلتحقون بها من أجل حفظ القرآن الكريم وتعلم أصول الدين.

وفي ظل حديث وزارة الشؤون الدينية عن 2360 مدرسة دينية في مختلف محافظات الجمهورية، لا يستبعد مختصون أن يكون الرقم أكثر من ذلك، قياسا لنشأة البعض منها بمبادرات خاصة، كما هو الشأن بالنسبة للمساجد، حيث يطلق خواص باستمرار مشاريع بناء مساجد أو مدارس دينية.

وتنتشر المدارس الدينية في منطقة القبائل بوسط الجزائر، وفي ربوع الصحراء، وكانت تنتمي في الغالب إلى المدارس الصوفية العريقة، إلا أن دخول بعض المذاهب على الخط كالسلفية وبشكل أقل الإخوان وبعض المذاهب الأخرى، دفع الحكومة إلى دق أجراس الإنذار مخافة تحول هذا النوع من التعليم إلى بؤرة لتفريخ التشدد والمذهبية.

وما زالت الكثير من العائلات الجزائرية، خاصة خلال السنوات الأخيرة، تدفع بأبنائها إلى تلك المدارس والكتاتيب خلال العطل الدراسية الرسمية، من أجل حفظ القرآن وتعلم أصول الدين، بغية الاستفادة من اكتساب معارف شرعية، وتلافي الفراغ نتيجة غياب إمكانيات الترفيه والتسلية للكثير من التلاميذ.

ويرى مختصون أن مشروع تنظيم التعليم القرآني، يصطدم بالعديد من المعوقات، يأتي على رأسها الصراع المبطن بين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من جهة، ووزارة التربية من جهة أخرى، حول نوايا الاستحواذ على المشروع، لأغراض تستند إلى خلفيات أيديولوجية، بين تياري الإصلاح والمحافظين.

وكان الطرفان قد تلاسنا في وقت سابق حول مردودية ونجاعة التعليم القرآني في البلاد، حيث اتهمت وزيرة التربية نورية بن غبريت، خريجي الكتاتيب بـ”الضعف التحصيلي ومحدودية النتائج المحققة”، وهو ما رد عليه وزير الشؤون الدينية محمد عيسى بالقول “نتائج الامتياز المحققة في مختلف الأطوار التعليمية، حُققت من طرف تلاميذ تلقوا تعليما في المدارس والكتاتيب القرآنية”.

تفاقمت مخاوف السلطة من نشاط الكتاتيب والمدارس القرآنية، مع تنامي تغلغل مختلف الأفكار والمذاهب الدينية

كما يشكل الطابع المستقل لأغلب تلك الكتاتيب، خاصة تلك المنتشرة في بلاد القبائل ومنطقة ميزاب في الصحراء الجزائرية، ثاني المعوقات أمام المشروع، لأن ملكيتها تعود إلى عائلات أو تنظيم “تاجماعت” الاجتماعي، المتمسك بأصول وتقاليد عريقة، تشكل جزءا من شخصية وهوية المجتمع المحلي، فضلا عن عدم قدرة الحكومة على إضافة أعباء مالية ومادية على كاهلها في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية.

وفي وقت سابق صرح الباحث والمؤرخ محمد أرزقي فراد لـ”العرب” بأن التعليم الديني في الكتاتيب، لتلقين أصول الدين واللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم، هو الذي وقف في وجه مشروع التبشير المسيحي الذي طبقه الاستعمار الفرنسي، وحافظ على الهوية الروحية والحضارية للشعب الجزائري.

ويقول فضيل سعدودي إمام ورئيس جمعية دينية ببومرداس (شرق العاصمة)، بأن “المدرسة القرآنية التابعة لمديرية الشؤون الدينية، تستقبل في العطل المدرسية، خاصة عطلة الصيف، نحو 300 تلميذ أعمارهم تتراوح بين 6 و14 عاما، بعضهم يأتي بغرض تعلم القرآن، والبعض الآخر يأتي تحت ضغط العائلة، التي تفضل المدرسة القرآنية على الفراغ ومشاكل الشارع”.

وصرح مسؤول في زاوية خاصة لتعليم القرآن بمحافظة تيزي وزو، فضل عدم الكشف عن هويته، لـ”العرب” بأن “السلطة تحاول منذ سنوات احتواء الزوايا والكتاتيب القرآنية تحت مسميات عديدة، وقد تم إغراء العديد منها للانخراط في أداء دور سياسي لدعم الرئيس بوتفليقة في استحقاقات انتخابية”.

وأضاف “رفضنا كل أشكال الإغراء والاصطفاف وراء أي خط سياسي، ونعمل على الحفاظ على استقلالية مدرستنا، فسكان القرية هم الذين يتكفلون بكل شيء منذ تأسيس المدرسة، ونحن ملتزمون بتلقين تعليم تقليدي دأبت مختلف كتاتيب المنطقة على تلقينه لطلبتها منذ الاستعمار، ولا علاقة لنا بالتجاذبات المذهبية والفقهية”.

وتسعى الحكومة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة إلى بسط نفوذها الكلي على المساجد والمؤسسات المتصلة بها، بغرض الحد من تغلغل ما تسميه “الأفكار المذهبية والتشدد الطائفي في المجتمع″، في إطار مشروع يرمي إلى تحقيق “الأمن الفكري والديني في الجزائر”، خاصة مع النشاط المتنامي لخلايا شيعية وأحمدية.

وأعرب وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى في عدة تصريحات عن توجسه مما أسماه “التوظيف المغرض والمشبوه لمحيط المساجد لأغراض مذهبية وطائفية”، وهو ما تجلى من خلال نقل المعركة الدينية بين الحكومة وناشطي بعض المذاهب إلى المدارس والكتاتيب القرآنية، حيث استفاد هؤلاء من استقلالية تلك الهيئات وحرية تأسيسها، وقبولها من طرف فئات اجتماعية عريضة، لتمرير رسائلهم الدينية وتصوراتهم الفكرية.

17