الكتب العظيمة قد لا تكون واضحة ولا ممتعة دائما

أحيانا كثيرة نتساءل عن المعيار الذي نحدّد من خلاله أننا سنقرأ هذا الكتاب أو ذاك، لكن الأمر مختلط تماما في عالم باتت تغزوه كل الطرق الترويجية، التي تقدّم أحيانا كتبا ضعيفة لكنها تنال الشهرة والرواج والنجاح والاهتمام، فيما هي لا تستحق جهد القراءة.
الاثنين 2018/01/08
كيف نختار ما نقرأ (لوحة للفنان علي رضا درویش)

قد لا نهتم بقراءة مراجعة نقدية عن كتاب قديم ولكن مع الكاتب الإنكليزي آندي ميلر، في كتابه “سنة القراءة الخطرة”، ترجمة محمد الضبع، الأمر مختلف، هل يكفي اكتشاف مدى الجاذبية في هذه المراجعات للبحث عن الكتاب؟ هل نصدق ما قيل إن الكتب التي قرأها ميلر محظوظة. لأن اختيارها جاء وفقا لمحاولة صادقة من جانبه لقراءة كتب التي نجح في التهرب منها لسبعة وثلاثين عاما.

قراءة للحياة

“قائمة الإصلاح” كما أسماها آندي ميلر تحوي خمسين كتابا اختارها. قال عنها ميلر “عندما بدأت بالقراءة كانت أقل من هذا العدد بكثير، ولكنني كنتُ مستمتعاً جداً ولم أستطع التوقف. وفي عصر كهذا نجد أنفسنا غير قادرين على مقاومة قوائم قرائية كهذه، ولأننا دائما ما نكون في حالة من الاستهلاك للمعلومات وإصدار قرارات وأحكام سريعة بشأن كل شيء، فلذلك نجد أنفسنا ننجذب باتجاه قوائم الأفضل والأسوأ”.

ما الذي يجعل أيّ كتاب عظيما؟ بحسب ميلر تلك العظمة تعيد قياس نفسها دائما باختلاف الأشخاص واختلاف الكتب. لبعض القراء قد تدلّ العظمة على إتقان ثقافي جامح، مثل عظمة تولستوي أو فلوبير، وللبعض الآخر قد تدلّ على صرخة المتعة، مثل كتاب “يوم ما” لديفيد نيكولس، الكتب العظيمة قد تكون مهمة فعلاً، ولكنها ليست واضحة دائما أو ممتعة للقارئ. في هذا الكتاب سيجد القارئ ملاحظات في الحواشي، مراسلات إلكترونية وذكريات شخصية وتدوينات ووصفات وسير ذاتية وآراء صارمة وبعض النكات.

يقول صاحب كتاب “مصارعة طواحين الهواء: كيف حاولت ترك القلق وحب الرياضة”، “من سوء حظي وحسنه في الوقت ذاته أنني انشغلت بكتابة هذا الكتاب عن الكتب خلال ثورة السعار الثقافي. هناك عدد من القوى المتنافسة تهدد بتغيير الطريقة التي عرفنا بها القراءة، ماذا نقرأ وكيف نقرأ؟ الإنترنت ومتاجر الكتب والمكتبات العامة والحكومات والمدوّنات وأندية الكتب ومهرجانات الأدب وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها. وقد نعتبر هذه الإضافات تقدّما، ولكنها ليست التجربة الأصلية ذاتها. إنها ليست القراءة.

ميلر الذي عمل محررا للكتب بدأ سنته القرائية برواية “المعلم ومارغريتا- ميخائيل بولغاكوف”، استغرق في قراءتها خمسة أيام، ولكن سحرها استمر معه لفترة أطول، والأهم أنها نجحت في إعادته للحياة من جديد. والسؤال المُلحّ هنا: كيفية المحافظة على شرارة القراءة حية؟ يجيب آندي ميلر “ما أحتاجه هو كتاب آخر. لم تكن هذه مجرد قراءة للمتعة، بل كانت قراءة لعزيزتي الحياة”.

سيئة رغم شهرتها

أدرك ميلر أن الثقة التي منحتها له رواية “المعلم ومارغريتا- ميخائيل بولغاكوف”، أفقدته القدرة على تقدير ذاته بشكل أفضل عندما بدأ روايته الثانية “مدل مارش- جورج إليوت”، ذات الـ688 صفحة واصفاً إياها بالعقاب القاسي، وهنا قال “في فترة سابقة، كنت قد اتخذت عادة قراءة مثل هذه الكتب التي تمتلئ بالإسهاب والتوضيح. ولكنني كنت طالباً حينها، أحمل الكثير من الغرور والحنق. بعد عقدين من الزمان، فقدت لياقتي تماماً، أصبحت أتنفس بصعوبة، أعرج بالكاد، وكان هذا الكتاب أكثر مما أستطيع احتماله”. أكد آندي ميلر أنه في سنته القرائية شكك في بعض مسلماته، كإيمانه بالفن إذ منذ طفولته لم يشك ولو للحظة أن الكتب العظيمة والموسيقى الخالدة أو الأفلام العبقرية، هي شروط مسبقة لوجود كامل ومتوازن. ولكن السؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة عليه، ما إن كان هذا الولاء يحمل أي معنى يتجاوز الوجود الحسي لما كان يملكه من كتب وأفلام قام بتخزينها في صناديق يعلوها الغبار.

آندي ميلر: أنا محرر كتب، أختار الجيد من السيئ، وما يستحق النشر أو النسيان

في الكتاب يصف ميلر نفسه بالفاشل إذ ضيّع الكثير من الوقت وهو يعدّ قوائم للقراءة وفي النهاية لا يلتزم بشيء، واختلف الأمر مع “قائمة الإصلاح”، معها نجح في تحقيق اختبار التوزيع الجغرافي وفشل بانحيازه إلى الرجل، ولكنه وعد بتحسين الأمر في كتب أخرى، “ست روايات بريطانية، ثلاث أميركية، روايتان من روسيا، واحدة من أيرلندا، واحدة من ألمانيا. ثلاث نساء، و11 رجلاً”.

في تعليقه على الشهرة الكبيرة التي حققتها رواية “شيفرة دافنشي” لدان براون، التي استغرقت منه 12 ساعة قراءة، يشير ميلر إلى أن هذه الرواية تمكّنت بغباء من إتقان شيء واحد ألا وهو “الحبكة”، كتبت بطريقة سيئة، وأوضح قائلا “كانت عيناي تتوقفان بشكل مستمر على حوار تفسيري أو إحصائيات علمية زائفة أو جملة قبيحة بشكل مفاجئ”.

قال آندي ميلر عندما كنت أقرأ رواية “المحسنون أصحاب البناطيل المهترئة”، كنت أصارع لإنهاء “قائمة الإصلاح”، وأملك وظيفة أذهب إليها كأغلب الكتّاب، ولكن شعرت بالتعاسة فقد كنت محررا للكتب، أجلس أمام أكوام من الأوراق، تتزايد كل يوم، وكنت أحاول اختيار الجيد من السيئ، لمعرفة ما يستحق النشر، وما يستحق النسيان، ما يمكن إنقاذه بشيء من التعديل، وما يمكن إلقاؤه في سلة المهملات، أنا كاتب. كل يوم، لأجل المال، أحمل أقدار الكتّاب الآخرين في يدي. لقد كانت نوبة مزمنة من العزلة.

كيف يمكننا التعامل مع كتب لا نحبها؟ يجيب ميلر “في ‘قائمة الإصلاح’، واجهت هذه الكتب، ولم أكن أتوقع أن أتعثر بهذه المشكلة. كنت أفترض أن الكلاسيكيات التي اخترتها ستكون مثيرة وستقودني من تلقاء نفسها لقراءتها. مثلاً رواية ‘عبودية الإنسان’ لدبليو. سومرست موم، بكل ما سمعته عن جملها الرشيقة، الواضحة، كل هذا لم يكن كافيا لجعلي أعجب بها. كان من الممكن أن أكمل القراءة، ولكني علمت أن هذا لا يستحق العناء. في منتصف الطريق، شعرت أنني أستطيع الحكم عليها. ولذلك توقفت.

14