الكتب المزورة مسمار في نعش صناعة النشر

الخميس 2014/07/10
الروائي محمد عون يعتبر أن تزوير الكتب تعدٍّ على الفكر وسط تشريعات غير مفعلة وحلول غائبة

القاهرة - تهديد صناعة النشر وضياع حقوق الكتاب ودور النشر، اتهامات عدة يواجهها المسؤولون عن تزوير الكتب أو أولئك المسؤولون عن نشر الكتب الألكترونية، فبمجرد إعلان دور النشر عن كتب جديدة، تبادر مصانع الكتب المزوّرة بطباعة النسخ المزورة رخيصة الثمن لتنتشر في بعض المكتبات وعلى أرصفة الشوارع، ويبادر آخرون بنشر النسخ الألكترونية من الكتب الحديثة وإتاحتها على شبكة الأنترنت.

في الوقت الذي يحذر فيه المؤلفون والناشرون من شراء الكتب المزورة لما تمثله من تهديد لصناعة النشر بأكملها، يرى كثير من القراء أن مثل هذه الطبعات ساهمت في توفير عدد كبير من الكتب باهظة الثمن غير متاحة للقارئ العادي بأسعار زهيدة، كما أنها ساهمت في مزيد الترويج لعدد كبير من الكتب والكتاب على حدّ سواء؛ ما ساهم في ارتفاع نسب القراءة خاصة لدى فئات الشباب.

ورغم تجريم القانون لتزوير الكتب بكافة أشكاله، لما فيه من تعدٍّ على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين، وحقوق الناشرين ودور النشر، وزيادة عدد الحملات الأمنية التي تشنها الشرطة لإغلاق مصانع تزوير الكتب، إلا أن ظاهرة انتشار هذه النوعية من الكتب تتزايد يوما بعد يوم، ويزداد معه الإقبال على شراء هذه النوعية من الكتب نظرا لانتشارها وثمنها الزهيد، وسط قلق من قبل الناشرين حول مستقبل صناعة النشر.

يؤكد مثقفون أن ظهور عملية تزوير الكتب لم يكن في البداية بسبب ارتفاع الأسعار كما هو عليه الحال الآن، حيث بدأت في السبعينات من القرن الماضي ببيروت لتنتقل بعد ذلك إلى القاهرة، وكانت مصادرة الكتب على رأس الأسباب الداعية آنذاك إلى تزوير الكتب، وكانت رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” على رأس الكتب التي زورتها دار الآداب، فضلا عن مؤلفات عبدالله القصيمي.

رغم تجريم القانون لتزوير الكتب بكافة أشكاله، إلا أن ظاهرة انتشار هذه النوعية من الكتب تتزايد يوما بعد يوم


الطبعات الشعبية


الكاتب والروائي محمد العون، عضو اتحاد كتاب مصر، يؤكد أن انتشار ظاهرة تزوير الكتب يقف وراءها العديد من الجهات، فالدولة لا تراقب المطابع السرية كما ينبغي، والحملات التي تشنها الجهات الأمنية في هذا الصدد غير كافية، وربما تكون شكلية فقط، وهو ما يظهر من انتشار هذا الكم الهائل من الكتب المزورة.

وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الكتب بشكل مبالغ فيه يعدّ هو الآخر سببا لانتشار الكتب المزورة التي تباع بأسعار زهيدة، فضلا عن غياب الطبعات الشعبية وتقاعس دور النشر عن عمل مثل هذه الطبعات، لافتا إلى أن عددا قليلا من الكتاب في مصر يتأثر بتزوير الكتب، حيث يتم تزوير الكتب المبيعة بكميات كبيرة والتي يكون معظمها مترجما وليس مصريا.

وأوضح العون أن الحل يكمن في أن تهتم دور النشر بعمل الطبعات الشعبية والرخيصة، والتي يكون سعرها مقاربا لأسعار الكتب المزورة، وهذا سيساهم بشكل كبير في القضاء على هذه الظاهرة التي ستحل محلها الطبعات الشعبية.


حقوق الناشر


الروائي مدحت مطر يرى أن أكثر الذين يعانون من مشاكل قرصنة الكتب هم الناشرون، لأن هذا الوضع قد يخدم المؤلف بشكل كبير من ناحية الانتشار إن لم يكن معروفا بصورة كبيرة، فبعض الكتاب لم يصدروا سوى رواية واحدة، ولأنهم قاموا باختيار دور النشر التي استطاعت أن توفر لهم وضعا متزنا بين مؤلفين آخرين، بدأ القراصنة أو ما يسمون بمزوري الكتب بالاتجاة إلى هذا الكاتب، فنرى أن هذا الوضع يخدم المبتدئين في الانتشار أكثر.

ويستطرد مطر قائلا: ” في الوقت ذاته يضر بذلك الناشر الذي قد تكفل بهذا الكتاب طباعة ونشرا، كما أنه يحدد له سعرا لكي يباع في المكتبات الكبيرة بشكل رسمي، وبالتالي يأخذه هذا المزور ويبيعه في السوق السوداء بسعر رخيص، لذلك قبل أن نعاتب المزور، لا بد أن نتجه إلى الناشر أولا، ونعرف منه لماذا يقوم بالرفع المبالغ فيه لسعر الرواية، وخاصة إن كان لكاتبا يكتب لأول مرة، وأحيانا دور النشر تستغل أيضا كتب الروائيين الكبار وتعرض كتبهم بأسعار خيالية، قد لا يقدر الفرد العادي على شرائها، فنجد بعدها القارئ يتجه إلى السوق السوداء ليس احتراما لها، ولكن لرخص ثمن الكتاب بفارق شاسع”.

ويُرجع بعض النقاد انتشار ظاهرة “الكتب المزورة” إلى ارتفاع أسعار الكتب بصورة كبيرة، في الوقت الذي تغيب فيه “الطبعات الشعبية زهيدة الثمن” لمثل تلك الكتب، ما يدفع ببعض المطابع إلى تزوير طبعات شعبية من تلك الكتاب، التي تلقى إقبالا من قبل فئة الشباب خاصة، نظرا لسعرها الرخيص، وعزز من تفشي تلك الظاهرة كذلك عدم تفعيل النصوص التشريعية التي تُجرّم التزوير، في الوقت الذي تعتبر فيه ثقافة “حقوق الملكية الفكرية” غائبة في عدد من البلدان العربية، بينما تتمتع دول عربية أخرى بقوانين صارمة تحول دون ارتكاب التزوير مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، وتجربتها في هذا الإطار.


غياب الدولة

فتحي المزين: مزوّري الكتب هم أكثر المستفيدين من غياب الدولة عن صناعة النشر


في السياق ذاته، يؤكد فتحي المزين، مدير دار ليان للنشر والتوزيع، أن ظاهرة تزوير الكتب من أسوإ ظواهر التدمير لصناعة الكتب والثقافة في مصر، فلا توجد قوانين والدولة غائبة بالكامل، كما أن إصدارات الدولة تقتل الإبداع، فبعض الأعمال تظل تحت الطباعة لسنوات طويلة ما يعدّ إهدارا للمال العام.

وأوضح أن مزوّري الكتب هم أكثر المستفيدين من غياب الدولة عن صناعة النشر، فنص القانون المُعاقِب على التزوير ضعيف للغاية، حيث تغيب الحملات الأمنية المهاجمة للمطابع المزورة للكتب، ومزوّرو الكتب هم المستفيدون نظرا لأنهم غير ملتزمين بأيّة حقوق مادية للكتاب، ومن ثم يعملون على نشر طبعات رخيصة.

وأشار المزين إلى أن الحل يكمن في أن تعمل دور النشر الكبيرة على نشر الطبعات الشعبية من الكتب والروايات التي تتكفل بها، وهو ما سيساهم في الحد من إقبال القراء على شراء الطبعات الشعبية، فضلا عن وجود عقاب قانوني رادع وحملات أمنية قوية تستهدف المطابع غير الرسمية.

15