الكتّاب والقراءة

صحيح أن عددا من الذين يكتبون لا يقرؤون، بعلة تجنب التأثر، لكن ثمة أيضا من هم مولعون بالقراءة حد الهوس.
الخميس 2018/06/07
أحمد الشهاوي قارئ يكتب

عند الحديث عن قلة القراء في الوطن العربي، عادة ما نستثني الكتاب، لأنهم في المخيال الجمعي قراء بالضرورة ما دام تأليف الكتب حرفتهم، ولكن الواقع غير ذلك. صحيح أن منهم من يواظب على القراءة بوصفها المنهل الأول الذي يستقي منه أفكاره، حتى إن كان الواقع منطلقَه، وفي الأقل يستفيد منه في بلورة أفكار جديدة. ومنهم من يتخير عناوينه فلا يقرأ إلا ما يناسب ميوله، أو ما يفتح شهيته للكتابة، أو ما يصير حديث الساعة في المنتديات ووسائل الإعلام.

ولكن منهم أيضا من يقرأ عرَضا أو لا يقرأ بتاتا، بتعلة تجنيب نفسه التأثر بمؤلفات غيره، كما هو الشأن مع جورج سيمنون، أحد رموز الرواية البوليسية، وكان قد هجر القراءة منذ بداياته، ولم يعد إليها إلا حينما اعتزل الكتابة. أو لكونه غزير الإنتاج، لا يجد متسعا من الوقت للاطلاع على أعمال غيره، قدماء ومحدثين، أو هو نرجسيّ حدّ الغرور، لا يرى ما يستحق القراءة غير ما يكتب.

ولئن كان صحيحا أن عددا من الذين يكتبون لا يقرؤون، فثمة أيضا من هم مولعون بالقراءة حدّ الهوس، حتى ليصدق فيهم ما وصف به الشاعر المصري أحمد الشهاوي نفسَه بكونه “قارئا يكتب”.

هذه الفئة من الكتاب القارئين أو القارئين الكتاب تتمتع في العادة بمدى بصري قويّ يجعلها قادرة على الإلمام بعدد كبير من الكلمات في نظرة واحدة. على سبيل المثال، يذكر بيير موروا في كتابه “برومثيوس أو حياة بلزاك” أن صاحب “الملهاة الإنسانية” لم يكن عبقريا في كتابة الرواية فحسب، بل كان عبقريا أيضا كقارئ، حيث لا يُحسب ما تشمله نظرة واحدة منه إلى ما يقرأ بالكلمات بل بالأسطر.

ومن الأمثلة على المثابرين على القراءة بشكل غير عاديّ شاعر قيرواني، لعله الشاذلي عطا الله، كان يقضي أوقاته في قراءة الكتب القديمة، لا يقطعها إلا لأداء الصلاة، أو لتناول كسرة خبز وحبة تمر وكوب لبن، أو لكتابة قصيد.

ولعل أغرب المنبهرين بالقراءة حدّ الهوس الشاعر الفرنسي أندري شينيي (1762-1794). فمما يذكره مؤرخو سيرته أنه اتهم زورًا في عهد الإرهاب إبان الثورة الفرنسية، حينما بدأت الثورة ترتد على نفسها وتلتهم أبناءها، وحُكم عليه بالإعدام، رغم أنه من مناصري الثورة ومن المتأثرين بفكر الأنوار.

كان يقرأ كتابا لسوفوكليس والجلادون يقطعون الرؤوس بالمقصلة، فلما حان دوره، ثنى ركن الورقة كي يعلّم على الصفحة التي وصل إليها، ثم دسّ الكتاب في جيبه، ومضى إلى المقصلة.

15