الكثير من الأقنعة والقليل من الوجوه

عندما تواجهنا المحن، من الطبيعي أن ننظر إلى الحياة من منظار قاتم، حيث يسيطر القلق والخوف على تفكيرنا. لكن سمات الإيثار والمحبة طبيعة مهمة فينا نحن البشر.
الجمعة 2020/04/03
من الواجب الاهتمام أكثر بفئة المحتاجين وكبار السن

لم ينكفئ جاري الإنجليزي جيمس على حاله أو يختبئ خلف جدران منزله خوفا من وباء كورونا كما فعل الكثيرون من جيرانه هذه الأيام، بل خرج رغم كبر سنه وقلة حيلته ليجود عليهم بما استطاع من جهد، فيشذب عشب حدائقهم المحاذية لبيته، ويطرد عن نفسه مشاعر الضجر والقلق، لكن في المقابل لا أحد منهم قال له كلمة شكرا، فجميعهم رابضون في بيوتهم، لا يأبهون بتفاصيل محيطهم الخارجي، وأبسط التفاعلات الاجتماعية قد أصبحت مثار قلق وشكوك لمعظمهم.

لمحت طيف جاري المسن من النافذة وهو يتحرك بخطى بطيئة لتقليم عشب حديقتي، فلم أستطع أن أتجاهله مثل بقية جيراني، بل تصرفت بشكل تلقائي ومنصف، وفتحت الباب وشكرته، وطلبت منه أن يعوّل علي في عملية التسوق، وألا يتردد في طلب مساعدتي. ترك جاري جيمس في ذهني انطباعا رائعا، فرغم تقدمه في السن بدا لي أكثر قوة وشجاعة من الآخرين، بل لعله علمني درسا عظيما وهو أن الخوف يسبب نوعا من الشلل، بينما الحركة تخلق الثقة بالنفس، وأنه في مقدورنا جميعا أن نجد السعادة حتى ونحن نتشاطر الحزن.

عندما تواجهنا المحن، من الطبيعي أن ننظر إلى الحياة وإلى كل ما يحيط بنا من منظار قاتم، حيث يسيطر القلق والخوف على تفكيرنا. لكن سمات الإيثار والمحبة طبيعة مهمة فينا نحن البشر، وهي غريزة من المفروض ألا تتلاشى حتى في أحلك الظروف.

لكن يبدو أنني متفائلة أكثر مما ينبغي، فقبل أيام استوقفتني جارتي السبعينية مورين، وكعادتها كانت تحاول أن تبحث عن أي فرصة لتجاذب أطراف الحديث مع الجيران حتى تكسر رتابة الوحدة التي تعيشها، إلا أنها فاجأتني بما قالته عن قريبتها، من المؤسف أنها تخلت عنها هذه الأيام من دون اكتراث لحالها، رغم أنها تمتلك سيارة وتستطيع أن تريحها من عناء التسوق، الذي لم تعد تقوى عليه بسبب مرضها وكبر سنها، فطلبت منها أن تعوّل علي متى احتاجت شيئا، لكنها قالت شيئا مهما ظل عالقا في ذهني “ربما سينتهي هذا الوضع بعد أيام أو أشهر لكنه استطاع سبر أغوار الكثير من النفوس”.

لعل الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديلو محق إلى حد ما في قوله “فيِ هذه الرحلة الطَويلة مِن الحَياة، سَوف تُواجه الكَثير مِن الأقنعة والقليل مِن الوجوه”.

بينما ترى عالمة النفس الأميركية، جين توينغ، أن النرجسية في تزايد، حتى أنها زادت في العقود الأخيرة بنفس معدل زيادة السمنة.

لكنني ما زلت أعتقد أنه من الواجب علينا جميعا الاهتمام أكثر بفئة المحتاجين وكبار السن، والسعي إلى السؤال عنهم ومساعدتهم ولو كان ذلك من خلف الأبواب الموصدة.

قد يختلف نوع التعاطف والتضامن من شخص إلى آخر، لكن مجرد إظهار الاهتمام بالغير قد يكون أحيانا كافيا لإشاعة روح التضامن والإيثار في هذا العالم الذي قسّمه اللهاث وراء المصالح الفردية ومزقته النزعة الأنانية.

وهذا وقت جيد للتخلص من نزعاتنا الأنانية السيئة، والعمل على منح الآخرين من حولنا بصيصا من الأمل، ولو كان خافتا في هذه الأوقات المظلمة.

21