الكثير من البراغماتية وبعض من النرجسية

رونالدو لم تكن لديه عبقرية ميسي ولا موهبة مارادونا ولا لمسة زيدان، بل كان لديه عقلا يضجّ بالذكاء والحكمة، هو عقل قاده إلى الوصول إلى قمّة المجد العالمي.
الأحد 2018/04/01
رونالدو ينافس بكل شراسة على العرش

لعلها القمة المرتقبة بين اليوفي الإيطالي والريال الإسباني التي ستدور الثلاثاء، ضمن دوري أبطال أوروبا هي التي حفزت للحديث مرة أخرى عن “الدون” كريستيانو رونالدو.

ولعلها الأرقام والإنجازات المدهشة التي حققها نجم “الميرنغي” منذ بداية هذا العام هي التي تدفع دائما لتسليط الضوء مجددا على أحد أبرز لاعبي العالم خلال الزمن الراهن مع الأرجنتيني ليونيل ميسي.

لكن ربما التصريح الأخير الذي أدلى به “أيقونة” إيطاليا والحارس الأسطوري لليوفي جيانلويجي بوفون، هو السبب الرئيس للعودة مجددا لاستعراض مسيرة صاحب الجائزة الذهبية الأخيرة ونجم المنتخب البرتغالي رونالدو.

في تصريحه الأخير قبيل المواجهة المنتظرة ضمن ذهاب ربع نهائي دوري الأبطال قال بوفون، اللاعب الرائع والشخص المتواضع، إنه من أشد المعجبين بنجم الريال، بل “يعشقه إلى أبعد الحدود”.

بوفون قال إن أكثر ما يشدّه في رونالدو هو شخصيته البراغماتية، فهذا اللاعب تمكن من تطوير مستواه وحافظ على أدائه الرائع لسنوات طويلة رغم تقدّمه في العمر، والأكثر من ذلك أنه لاعب ذكي للغاية حسب تأكيدات بوفون ومتوهّج في كل ما يفعله ويقوله.

بوفون تحدّث عن “براغماتية” رونالدو وقدرته الفائقة على تخطي كل العوائق والصعوبات والوصول إلى مكانة مرموقة وعالية للغاية، وكأني به أراد أن يقدّم دروسا في الحياة بخصوص قدرة أي شخص على تحقيق كل أحلامه متى تحلّى بالإرادة والعزيمة والصبر و”البراغماتية”، هذا المذهب الفلسفي الذي يرتكز على أن النجاح في أي عمل هو المعيار الوحيد للحقيقة.

وهذه الحقيقة تجسّدت منذ أن كان “صاروخ ماديرا” شابا يافعا في صفوف نادي لشبونة البرتغالي، كان لاعبا في سن السابعة عشر عندما سنحت له الفرصة كي يكون ضمن الأساسيين مع فريقه في مواجهة “العملاق” الإنكليزي مانشستر يونايتد.

وقبيل تلك المباراة الأوروبية أدرك رونالدو أن الفرصة أتيحت أمامه كي ينتقل إلى أفق أرحب، فعمل بجد وكد وضاعف جهوده وتدرّب أكثر من بقية زملائه في الفريق، وعندما حانت ساعة المواجهة كان الفتى الطامح في أوجّ العطاء، فقدم مردودا بطوليا جلب له اهتمام السير أليكس فيرغيسون الذي لم يتردّد لحظة في التعبير عن إعجابه بهذا اللاعب الشاب وطلب من إدارة النادي التعاقد معه.

كان رونالدو بحق “براغماتيا” إلى أبعد الحدود، لم يضيّع الكثير من الوقت وفي أول فرصة عبر نحو عالم الاحتراف، واللعب ضمن فريق يعتبر من أعتى وأقوى الفرق في العالم.

وبما أن التألق والنجومية لا تباع ولا تشترى، بل هي نتاج العمل الدؤوب والإيمان بأن المعيار الرئيسي للحقيقة هو العمل المتواصل، فقد وفق صاحب الكرات الخمس العالمية في تطوير مستواه والمحافظة عليه.

فرونالدو لم تكن لديه عبقرية ميسي ولا موهبة مارادونا ولا لمسة زيدان، بل كان لديه عقلا يضجّ بالذكاء والحكمة، هو عقل قاده إلى الوصول إلى قمّة المجد العالمي سواء مع مانشستر يونايتد، ثم ريال مدريد أو مع منتخب بلاده البرتغال، لقد كان اللاعب الوحيد طيلة السنوات العشر الماضية القادر على مزاحمة “فلتة” هذا الزمان ميسي، وكان اللاعب الأقدر على المنافسة بكل جدية على تحطيم كل الأرقام القياسية والتتويج بالألقاب والبطولات، لقد كان ببساطة “ماكينة” أهداف لا تهدأ ولا تمل.

إن في رونالدو شيئا خاصا، شيء لم يتوفّر أبدا في أي لاعب آخر على امتداد أكثر من مئة عام من الأجيال المتعاقبة من اللاعبين المهرة والموهوبين، فموهبة هذا اللاعب تكمن في شخصيته القوية القيادية ورغبته العارمة في تحسين قدراته البدنية والفنية والذهنية، لم ييأس ويرم المنديل في أي لحظة ضعف مرّ بها، لم يتراجع، بل سار منتظما واثقا في طريق طويل قاده نحو مكانة خاصة ضمن صفوة مشاهير وأساطير كرة القدم العالمية.

لقد أدرك رونالدو أن النجاح الحق يكمن في الوثوق بقدرته على تخطي كل المصاعب والوصول إلى الحقيقة المتمثلة في التألق والنجاح، وكأني بهذا اللاعب من أشدّ المعجبين بآراء المفكر وليام جيمس أحد الفلاسفة الرواد في الفلسفة البراغماتية، فهو القائل “آية الحق النجاح وآية الباطل الفشل”، و”الدون” رونالدو بدا وكأنه وثق في هذه الحكمة فطبّقها بكل جزئياتها، ليصل إلى جوهر الحقيقة القابع أمام عتبات كنز المجد والتألق العالمي اللافت.

رونالدو قدّم درسا في الحياة وسار على منوال فلاسفة البراغماتية، لقد أثبت للعالم بأسره أن الحقيقة المثلى الصادقة تكمن في العمل كمعيار وحيد للوصول إلى عين الحقيقة.

بيد أن جزءا من هذه البراغماتية لدى رونالدو تلوّن بصبغة حب الذات ومنحها أهمية بالغة أو هي تلك الأنانية الإيجابية، لقد لبس هذا اللاعب رداء النرجسية وأحاله إلى عنصر تكميلي خدمة لـ”براغماتيته” المُفرطة، فرونالدو عشق دون أن يشعر بذلك كسر الحواجز وتحطيم الأرقام، لقد افتتن بمهنته المتمثلة أساسا في التهديف، كان ولا يزال مغرما بأن يكون الهدّاف الأول وصاحب اللمسات الحاسمة، فغدا أشبه بماكينة أهداف، ديدنه في ذلك خدمة مصلحته الشخصية ومن ثمة المصلحة العامة ومساعده الفريق الذي يمثله في الرقي بنتائجه.

رونالدو اللاعب “البراغماتي” أحسن باستمرار توظيف هذه النرجسية فطوعها كأبهى ما يكون ليظل في كل موسم أحد أعتى الهدافين، كان يعود بعد كل سقوط حيني أقوى من ذي قبل، وخلال الأشهر الأولى من العام الحالي أثبت صواب نظريته “البراغماتية” بعد أن استعاد ثورته التهديفية ليهدد الجميع وينافس بكل شراسة على العرش.

23