الكذب البائس

في موازاة الأكذوبة الحمساوية البائسة، استمع الفلسطينيون إلى أوبريت فني بثه تلفزيون فلسطين امتداحا لرئيس السلطة. كان وصف الرجل في عنوان الأوبريت “ملاك السلام” الذي “جعل الخراب مجدا”.
الأحد 2019/12/08
من أوجه الكذب

في ميادين السياسة، لطالما سُمعت أكاذيب لئيمة يطلقها أقوياء لخداع المستضعفين، لكن هناك أنواعا أخرى من الإفك، يُطلقها مستضعفون، لا يخادعون بها إلا أنفسهم وبني جلدتهم، وهذه تُعدّ نوعا من الكذب البائس وشديد الإيذاء!

دوافع هذا النوع الأخير كثيرة، ومن بينها تبرير المواقف وإطلاق الوعود بحماقة تحرق أصحابها لدى المكذوب عليهم. وربما يكون الهدف من بعضها مجرد التجمّل، وعندئذ تكون الحماقة أكبر. فتجربة الفلسطينيين مع إسرائيل، علّمت الأولين أن الأخيرة تستفيد من الخطابات الكاذبة، وتجعل من كل خطاب، إعلان نوايا، يساعدها على تبرير ما تفعله عندما تهجم وتحتل وتقتل. فمنذ تأسيس هذه الدولة، ثابرت على القول إنها محاطة بدول وجيوش تتحضر لإبادتها، وهي تعرف أن لا شيء من ذلك في الواقع، لكنها كانت تقول لمن لا يصدق، أن يستمع للخطابات العربية. ربما العرب تعلموا الآن، وعرفوا كيف يتحاشون خطاب الطنين الماحق في اللغة والغائب أصلا عن النوايا. لم يتبق سوى الإيرانيين الذين يستخدمون خطاب الإبادة الذي لا تزال إسرائيل تستفيد منه فتهجم أو تقصف وتسقط الضحايا. ولأسباب كثيرة، لا يريد الإيرانيون تنقيح خطاب المناصرة لكي يستفيد منه الفلسطينيون.

سُمع مؤخرا تصريح لأحد قادة حماس، يبرر فيه التهدئة في غزة، من منطلق قناعة خاطئة في وعيه الباطني، بأنها معيبة ولا تليق بجحافل حركته. قال إنها محض تدبير “جهادي” هدفه مراكمة وسائل القوة، لكي يكون الانقضاض بعدئذ، وإنجاز التحرير الذي يعني في ثقافته، تصفية هذه الدولة المدججة بالسلاح. تلقى الفلسطينيون هذا المنطق بالسخرية. قيل له، إن كان هذا هو العزم فعلا، فلماذا إفشاء سر الخطة؟ وإن لم يكن هذا هو العزم، فلماذا غاب عن ذهن السيد القائد، أن إسرائيل صاحبة تجربة قديمة جديدة في الاستفادة من هكذا تصريحات مزلزلة. فلو كسرت الآن تفاهمات التهدئة وهجمت، ستقول إن الطرف الآخر لئيم، ينوي استغلال الوقت لمراكمة عناصر القوة، وإن لم تصدقوا اسألوا القائد الهُمام!

المفارقة أن عمى الألوان، يختلط بالكذب في هكذا تصريحات. فكيف يمكن مراكمة عناصر القوة من مجتمع منهك ومحاصر ومُعتصر حتى النخاع؟

في موازاة تلك الأكذوبة الحمساوية البائسة، استمع الفلسطينيون إلى أوبريت فني بثه تلفزيون فلسطين امتداحا لرئيس السلطة. كان وصف الرجل في عنوان الأوبريت “ملاك السلام” الذي “جعل الخراب مجدا”. فبعد بث الشريط، اشتعلت وسائل التواصل بسخرية أعتى مشفوعة بالأسئلة: ليت المؤلف والملحن، يشرحان لنا لنستمتع أكثر. فأيّ مجد يقصدان، وأيّ سلام، وبعد أيّ خراب!

24