الكذب "المباح" في تشريعية تونس

الجمعة 2014/10/24

تبدو جذوة الانتخابات التشريعية التونسية متّقدة بحمم الصراع الدائر بين مختلف المشارب الحزبية والقوائم المستقلة المتراهنة على نيل مقاعد داخل البرلمان القادم للجمهورية التونسية، في رهان انتخابي يشكل حجر زاوية لبناء أسس الديمقراطية السليمة ونزع حالة التصحر السياسي التي ختمت المرحلة الانتقالية في تونس بالشمع الأحمر.

المتأمل في خبايا المشهد السياسي التونسي والمنقب في تفاصيله في فترة السباق الانتخابي، وما يرافقه من لغط يومي يتبين الحيرة الواضحة التي تكتنف فكر الناخب التونسي، والتداخل الكبير في مخيلة العديد من الذين لم يحسموا خيارهم الانتخابي بعد.

عوامل عديدة أدخلت الريبة في عقول التونسيين أهمها تنازل أغلب الأحزاب السياسية الكبرى عن مراجعها الفكرية ومعتقداتها السياسية، تلوّنا مع الاستحقاق الانتخابي، وانضباطا لتوافقات سياسية تدفع بعربة أحزابهم إلى سدة البرلمان، ولا ضير من النفاق السياسي ولو إلى حين.

الإسلاميون في تونس، ممثلون في حركة النهضة، دفعهم هوسهم بالسلطة إلى التنازل عمّا صدحت به أفواههم التي طالما تشدقت بضرورة “محو رموز النظام السابق من المخيال السياسي للتونسيين”، وذلك بالعزوف عن هذه الفكرة بتعلة ما أسماه رئيس الحركة راشد الغنوشي ضرورة “التوافق” الذي ستنبلج ملامحه بعد الانتخابات التشريعية. لا ضير لحركة النهضة من الاتفاق على مرشح يحمل بيانات حزب التجمع المنحل، ورصيده النضالي موشح بوسام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. هذا التناقض والازدواج الواضح في الخطاب ينمّ عن افتقار للقيم والمبادئ، في ظل هيمنة المصالح الفئوية على فكر الأحزاب السياسية الإسلامية وهو ما يرسم خيوطا من الريبة تنكسر فوق رؤوس الناخبين مع كل إطلالة يوم جديد.

الشق الحداثي في تونس مع تنوع منابعه سقط في مطبّات اللعب على حبال التشهير الإعلامي والرجم بالغيب تجاه المنافسين السياسيين لغايات حزبية لا غير، وتناست، كل مكوناته، التركيز على البرامج وغض الطرف عن أخطاء الآخرين، لأن الناخب وحده كفيل بالتمييز بين الغث والسمين ولا يمكن لأيّ كان أن يغير وجهة سبابته يوم 26 أكتوبر القادم بحفنة نقود أو توظيف عمل إعلامي لغاية في نفس مهووس بالكرسي الوثير لا غير، وهو ما يبين حالة الاستخفاف التي يمارسها كبار الساسة بعقول الناخبين غير مدركين بأن ذلك سيدفع بالعديد منهم نحو العزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية، تحت مفعول الحيرة والشك والخوف من مصير يبدو مجهولا لكثيرين ولو كره المتنافسون.

تسود أيضا معارك ليّ الذراع التي تفوح منها رائحة المال السياسي بين زعماء الأحزاب المتنافسة، فالاستقواء بالمال وجعله ركيزة أساسية لحشد الناخبين لا يمكن أن يبسط مناخا ديمقراطيا نقيا، بل سيشرّع لهيمنة بارونات المال والأعمال على دواليب العمل السياسي، ويعيد البلاد إلى نقطة الصفر كأن شيئا لم يكن مادام المال قوام الأعمال.

لا مبادئ إذن مادامت اللعبة تقتضي ذلك، فلا الإسلاميون حفظوا العهد، ولا الحداثيون تعلموا من أخطاء السابق، لأن اللهث وراء الفوز دون الاهتمام بخصوصية مرحلة تأسيسية في تاريخ تونس المعاصر، لا يمكن إلا أن يرفع من منسوب التوجس لدى عامة الناس.

لا وجود لمنطقة وسطى للتنعم بمزايا الديمقراطية المنشودة، يجب الالتزام بالعهود المقطوعة وتغليب المصلحة العامة للقطع مع سنوات القمع والإقصاء والتقزيم.

الإسلاميون ورغم خطاباتهم المتناقضة وتحالفاتهم المقنّعة مع رموز النظام السابق، فإنهم لن يفقدوا أصوات قواعدهم الذين يصوّتون وفق “انضباط عسكري” وولاء تام لما يصدره “الشيخ”. فلا مفهوم سياسي للإسلاميين، مادامت الوجاهة غائبة عن اختيارهم وعقلية “الجماعة” تلازم تحركاتهم.

والقوى الحداثية لن تقفز فوق الحدث ما دام التشتت ينخر مفاصلها. أصيب الجميع في تونس بعمى الألوان، وطغت الضرورة الحزبية بشكل مريب ليبقى الرهان الوحيد على الناخبين بعدم تفويت هذه الفرصة للخروج من نفق التخبط السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي.

يجد التونسيون أنفسهم أمام تحدّ عسير لإثبات رقي وعيهم ورجاحة عقولهم لتأسيس نموذج ينهي الحقب السوداء وسط مد جارف من الألاعيب الانتخابية المشوبة بكل أصناف الحيل والمخاتلة.


كاتب صحفي تونسي

9