"الكرافة" أخوة دم بين الإيزيديين والأديان الأخرى

تشكل “الكرافة” أحد الأعراف والتقاليد التي يتمسك بها الإيزيديين كجزء كبير من القيم الموروثة التي تساهم في التعايش بين مختلف الأديان، وقد تناقلتها الأجـيال وحرصت على توطيد العلاقات الإنسانية والتآخي بالرغم من المحن التي عاشتها.
الثلاثاء 2015/09/29
رابطة الدم الإيزيدية تعزز مفاهيم المحبة والتعاون

نينوى (العراق) – يضع الإيزيدي العراقي رزكي جوقي ابنه نزار في حضن "كريف" (صديق) من ديانته أو الديانات الأخرى بينها المسلمة عند بدء عملية الختان، وبمجرد أن تنزل نقطة دم على منديل الصديق، يصبح هذا الأخير "أخ الدم"، في طقس يعبر عن التعايش السلمي والتسامح الأخوي لدى هؤلاء.

وتُمثل "الكرافة" طقسا اجتماعيا إيزيديا يهدف إلى ترسيخ العلاقات مع المكونات الأخرى، حيث يتخذ من خلاله الإيزيدي إلى جانب أحد أبناء مكونه، شخصا آخر من بين الديانات الأخرى (مسيحيا، مسلما) ليتعايش معه عن طريق رابطة الدم التي تُلزم الطرفين بالدفاع عن بعضهما البعض إذا ما وقع أحدهما في محنة، ويصل الأمر حد الموت دفاعا عنه.

ولا يملك أحد من المهتمين بالشأن الإيزيدي المعنى الحقيقي لكلمة "كريف"، لكن هنالك من يقول إنها مصطلح بلغاري بنفس النطق، وتعني "الدم".

ويقول رزكي جوقي من محافظة نينوى، شمال العراق "عندما فكرنا بختان نزار، ومعه 3 من أبناء أشقائي، قررنا أن نتخذ كريفا لكل منا من الإخوة المسلمين، كي نثبت لداعش ومن والاه، أن علاقاتنا التاريخية والاجتماعية مع جيراننا المسلمين أقوى من إجرام هذا التنظيم الإرهابي".

ويضيف "كان لدينا جارا مسلما في بلدتنا حزاني التابعة لناحية بعشيقة (17 كلم شمال شرق الموصل، شمالي العراق)، وكنا ومازلنا نرتبط بعلاقات اجتماعية وأخوية وطيدة، نساعدهم ويساعدوننا، نفرح لفرحهم، ونحزن لحزنهم، ويبادلوننا نفس المشاعر، فقررنا أن ندعوهم للمشاركة في حفل ختان أطفالنا، وعقب اتصالنا بهم عرضنا عليهم الفكرة فوافقوا فورا".

ما قام به جوقي، يعتبره "رسالة محبة وتآخ بتوقيع إيزيدي ومسلم، مفادها نحن نعيش على أرض واحدة وفي بلدة واحدة، ولا يمكننا أن نستمر معا وهنالك كراهية أو بغضاء بيننا، فمستقبلنا واحد، وداعش هو تنظيم غريب، ولا يمثل أحدا سوى الإرهابيين أنفسهم الذين وفدوا إلينا من كل بقاع الدنيا، والتحق بهم الخونة من أبناء بلادنا الذين لا يمثلون وطنهم”.

لا فرق بين الإيزيدي والمسيحي والمسلم في أرض الأديان

الصديق المسلم، خير الدين حسن رحو، عبّر عن سعادته بالقيام بدور “الكريف”، قائلا “أنا سعيد جدا لأقوم بهذا الدور مع عائلة إيزيدية نرتبط معها بعلاقات طويلة من المحبة والتآخي، علما أن أبي وأعمامي قاموا بنفس الدور من قبل، وأنا هنا أستمر ببناء هذه العلاقة التي سأورثها لأبنائي أيضا”.

ويستطرد “الكرافة تقليد منذ مئات السنين، وهو عامل قوي على تماسك العلاقات الاجتماعية بين أهالي المنطقة الواحدة، بغض النظر عن معتقدهم الديني”.

ويُشير رحو إلى أن “الكريف” يحضر يوم الختان بصحبة عائلته، ويقوم بوضع الطفل المختون في حضنه لحظة ختانه، وعليه أن يجلب معه منديلا أبيض، يوضع تحت الطفل المختون وتسقط عليه بعض من قطرات الدم، كتذكار للتعايش بين المسلم والإيزيدي، والذي يصل أحيانا إلى المشاركة في الدفاع عن الآخر إذا تعرض لاعتداء من قبل أي طرف آخر”.

أما سعيد جوقي، شقيق رزكي ووالد أحد الأطفال المختونين، فقال “بعد عام من نزوحنا من مناطقنا، بنينا شبكة علاقات مع أصدقاء جدد، وأثناء استعداداتنا لختان أطفالنا الأربعة، قررت أن اتخذ كريفا لي من بلدة سرسنك (40 كلم شمال دهوك)”.

وتابع “نعمل على إعادة علاقاتنا بمحيطنا، ونحن جزء من مجتمع متعدد الانتماءات الدينية والقومية، وينبغي أن تكون لنا علاقات متوازنة مع الجميع، ولا سبيل أمامنا للعيش بسلام ما لم يكن هناك تآخ وتعاون ومحبة، والكرافة مع المختلف دينيا تعزز هذه المفاهيم”.

يشار إلى أن هناك الكثير من الإيزيديين ممّن لا يفضلون “الكريف”، وذلك لأن عائلته تصبح وفق معتقداتهم محرّمة على الإيزيدية، ويصل الأمر إلى تحريم الزواج بين العائلتين لمدة زمنية قد تصل إلى سبعة أجيال قادمة، لأن هذا الصديق يصبح أقرب للعائلة من الآخرين لنسائهم.

وبقيت “الكرافة” عنصرا يتجدد مع الزمن ومع وجود الإيزيدية التي تحرص على أبقاء القيم الإنسانية وترك الأعراف والقيم البائدة التي تتغلغل ضمن المجتمعات الريفية والفقيرة .

والإيزيديون هم مجموعة دينية يعيش أغلب أفرادها قرب الموصل ومنطقة جبال سنجار، ويقدر عددهم بنحو 600 ألف نسمة، وتعيش مجموعات أصغر في تركيا، وسوريا، وإيران، وجورجيا، وأرمينيا. وبحسب باحثين، تعد الديانة الإيزيدية من الديانات الكردية القديمة، وتُتلى جميع نصوصها في مناسباتهم وطقوسهم الدينية باللغة الكردية.

20