الكرامة الإنسانية بعد قرن من شرعنة مبادئ السلام العادل

علينا العمل معا للتصدي للكراهية والقسوة اللتيْن أخذتا تتصاعدان مجددا، والتراجع للتخندق واستقطاب الكراهية والعصبية بين القوميات، كي لا تنفجر في مواجهة مدمرة بين الشعوب.
الثلاثاء 2019/04/02
لا يمكن التخلي عن الأمل

اليوم، ونحن نحتفل بمناسبة مرور مئة عام على معاهدة فرساي ونهاية الحرب العالمية الأولى، نتساءل ما الذي حدث لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة؟ إن رفض هذين المبدأين قد يكون أحد الأسباب التي تعزز الإحساس بانعدام الأمن لدى الغالبية من شعوب المنطقة.

اقتبستُ هذه العبارة من صديق لبناني لم يكن في استطاعته، مثله مثل معظم شعوب المشرق العربي (في الأردن، وفلسطين، والعراق، وسوريا، ولبنان) تقبّل أن يكون الاستقرار للجميع على حساب عدم استقرار معظم شعوب المنطقة، وهي الشعوب التي تنزف بالفعل نتيجة تجاوز هذين المبدأين (حق تقرير المصير، وعدم جواز الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة)، وهم جميعا ليسوا أعضاء في مجلس الأمن، سواء الدائم أو الموسع، لكنهم شعوب هذه المنطقة ذاتها.

ونلحظ أن كل عمل “سياسي” مدروس لأعضاء مجلس الأمن يجلب معه تدهورا محسوبا بالقدر نفسه لجميع أهل المنطقة، سواء كانوا لاجئين أو مواطنين. وكما يقول الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون “تقرير المصير ليس مجرد عبارة؛ بل مبدأ واجب التطبيق”.

أتذكر مكالمة هاتفية في العام 1982 (عندما كان الأردن العضو الخامس عشر في مجلس الأمن الموسع) بين السيدة مارغريت تاتشر وشقيقي الراحل، الملك الحسين، حين سمعتها تتحدث عن وجوب عدم الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. سألتها يومها، “السيدة رئيسة الوزراء، لماذا يتردد صدى أصوات أجراس الخراف في فوكلاند على نحو أعلى من أجراس الكنائس في القدس؟”، كان ردها “أنت تعلم كيف تسير الأمور”.

لا بدّ أن الأشخاص الذين هم في مثل عمري قد عاصروا حربا على الأقل في كل عقد.  علينا العمل معا للتصدي للكراهية والقسوة اللتيْن أخذتا تتصاعدان مجددا، والتراجع للتخندق واستقطاب الكراهية والعصبية بين القوميات، كي لا تنفجر في مواجهة مدمرة بين الشعوب. أكرر ما سبق أن قلته في العام 1981: “من حقنا جميعا أن نعيش في دول ذات سيادة، وأن ننعم بالأمن بعيدا عن التهديدات المسلحة، وأن نعيش بسلام مع جيراننا، لكن هذا لا يمنح أيا كان الحق بالاحتلال وتغيير طابع المنطقة”.

إذا عدنا بالزمن قرنا واحدا، حين قُرعت أجراس الكنائس في ذكرى توقيع الهدنة التي أنهت الحرب العالمية الأولى، فإنه من السهل فقدان الأمل والاعتقاد بأنه لا يوجد ضوء في نهاية النفق.

مع ذلك، لا يمكننا التخلي عن الأمل الآن، على الأقل من أجل من لا صوت لهم، ومن أجل الأجيال القادمة. فنحن إن فعلنا ذلك، فسنُحرم من إمكانية أن نحلل، بطريقة خلاقة، ما لا يمكن تحليله، ولربما نهاية تطبيق مبدأ عدم الاستيلاء على أراضي الغير بالحرب، ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.

لا بد من الحديث عن الأمن الديمقراطي لجميع الشعوب، ولربما يوحي ذلك بأن المفكرين المستقلين منا -أو كما يطيب لنا أن نصف أنفسنا- هم من يجب أن يقوموا بإشعال الضوء في داخل النفق. ويدفعنا ذلك إلى العمل في إطار “المسار 2/11”، أي ذلك المسار الذي لا يكون حكوميا محضا، ولا يُدار بدبلوماسية مدنية خالصة، عندها فقط يمكننا أن نبدأ في تطوير الرؤية والبصيرة حول كيفية تخليص المشرق من طاغوت الشر: الشر يُحدَّد بالأفعال وليس بالدوافع.

9