الكراهية.. الوجه الآخر للحب

الأحد 2013/12/08
بين الحب والكراهية شعرة رفيعة لا تلبث أن تتلاشى

القاهرة- قد يحدث وأن تعلنيها: " أنت مستفز.. مزعج.. أبغضك.. أكرهك". وقد توضحينها صراحةً: "أنت كريه وبغيض.. إنني لا أطيقك"، وتكتشفين فيما بعد، أن مشاعر النفور والعداء والكراهية المعلنة، تخبئ في طياتها الخفية جداً حباً عظيما.. فهل يمكن أن تكون الكراهية صورةً من صور الحب ووجهاً آخر له مختلف ومثير؟

الحبُّ عبّر عن نفسه في هذه الحكاية، بكل الطرق الممكنة.. إلا مفهوم الحب، فـ "كنت أراه رجلاً لعوباً، مخادعاً من كثرة القصص التي حيكت حول حياته متوجة "إياه زير نساء".. هكذا تبدأ "نهى" مسترسلة: "لم أكن أنظر إليه أيام الدراسة الجامعية إلا بعين الازدراء، كلما سمعت الزميلات يتكلمن عن مغامراته، حيث أجد نفسي، ورغماً عني أشن عليه هجوماً شرساً، خاصةً وأنا أسمع كمّ التعليق على وسامته حيناً، وطريقته في اصطياد من تقع عليهم عينه حيناً آخر".

كل هذا.. دون أن تعرف نهى، كما جاء على لسانها بالحرف الواحد "إنني كنت أحاول تحصين نفسي من الوقوع في غرامه، من خلال كراهيتي المعلنة له".

بين الحب والكراهية شعرة رفيعة لا تلبث أن تتلاشى أو تنقطع، لتكشف عن حقيقة المشاعر، وهذا ما حصل مع نهى.

وتروي " ق" في ألم تجربتها التي عاشتها قبل عامين، فهي مهندسة مدنية تبحث عن سر كراهيتها للموظف الجديد، "كان استفزازياً، واثقاً بنفسه وبقدراته إلى درجة الغرور، معتقداً أنه الأفضل والأكفأ، مما جعل معظم الزملاء ينفرون منه، ناصبين حاجزاً مرتفعاً بينهم وبينه، لم يرغب أحد منهم في هدمه".

لم تجد تفسيراً لمشاعرها تجاه الزميل الجديد، الذي وضع نفسه في موضع منافسة معها منذ اليوم الأول إلا أنها تكرهه، "كنت أراقب تصرفاته، فأشعر باستفزاز وغيظ شديدين".

وتضيف: "على الرغم من كراهيتي الشديدة له، إلا أنني كنت أبحث عنه بين الوجوه، إذا تأخر قليلاً، دون أن أسأل نفسي عن سر هذه اللهفة وهذا التوق، فاعتقدت أننا نلعب لعبة القط والفأر، لأبرر سبب لهفتي عليه".

واللعبة كانت تشدهما إليها دون أن يقاوماها، "حتى إنه كان يتحرش بي إذا توقفت يوماً عن مجادلته، وكأنه يريد سماع صوتي حتى لو جاءت نبرته حادة، وعالية وشرسة في معظم الأحيان".

وهي حامل الآن بطفلها الأول من "الرجل" الذي كرهته بشدة، وتضيف، "ينتظرني على أحرَّ من الجمر، وبدوري لم أعد أستطيع أن أخفي مشاعري الحقيقية نحوه، ففتحت صفحةً جديدةً عنوانها: "الحبُّ بعد كراهية"، وتوجناه بالزواج.

وها هو "تامر"، يسرد لنا بأنه تزوج بصاحبة أكثر الشخصيات استفزازاً، كما وصفها، على وجه الأرض: "كانت صديقة شقيقتي، ومازلت أذكر كيف اعترضت على صداقتهما منذ اليوم الأول، الذي دخلت فيه بيتنا، ربما لأنها تحمل شخصيةً مختلفةً عن شخصية شقيقتي الهادئة، إذ كانت من النوع الذي يعبر عن نفسه بجرأة ووضوح".

ويتذكر تامر ذاك اليوم، الذي شبَّ فيه خلافهما الأول، "كنت كعادتي أستفزها ببعض الكلمات، حين أضفت، أريد أن أرى الرجل الذي سيقبل أن تكوني زوجته، وأنت على هذه الشاكلة". فردت بأعصاب باردة: "لا أظن أنكما ستجتمعان، فزوجي لن يعاشر رجالاً قليلي الذوق مثلك".

شقيقة تامر لم تسكت على تصرفاته فسألته: مادمت تكرهها إلى هذا الحد، فلمَ تصرُّ على الجلوس معها كلما زارتنا؟ "عندها عجز لساني عن النطق، وعجزت عن معرفة الجواب، وتوقفت عن زيارة بيتنا، معلنةً لشقيقتي أكثر من مرة أنها لا تطيق رؤيتي، حتى فاجأتني ذات يوم بحضورها إلى بيتنا لجلب بعض الكتب على عجل، وما إن وقع نظري عليها، حتى ظهرت عاطفتي نحوها من خلف كل الأسوار المضروبة حولها. وحول العلاقة الجدلية بين الحبِّ والكراهية، يرى الدكتور خليل فاضل، استشاري الطبِّ النفسي، أن الكراهية عاطفة، مثلها مثل الحبِّ، رغم التناقض الظاهر والتضاد بينهما.

فالحبُّ عاطفة إيجابية مرغوبة للنفس، أما الكراهية فعاطفة سلبية هدامة ومقيتة على النفس.

ويشير الدكتور فاضل إلى أنه في الظروف النفسية، الطبيعية والصحية، يتم التعبير عن تلك العاطفة، بشكل واضح وبسيط ومفهوم لكلا الطرفين، لكن ليس من النادر أن يحصل اختلاط وتشويش في التعبير وفي الإحساس نفسه. إن العلاقة بين الرجل والمرأة يمكن أن تبدأ بشكل سلبي، وأكثر الأحاسيس السلبية التي تشير إلى الكراهية والغيرة والتنافس، لكن قد تنشأ ظروف معينة، تحددها العوامل الفردية في داخل الرجل والمرأة، فيحدث انقلاب في العاطفة السلبية، حيث يحولها إلى حبٍّ كبير وإيجابي.

إن الحبَّ الناجم عن انقلاب في العاطفة السلبية يكون حباً كبيراً، لأنه تولد من شيء عكسي، حيث يأتي بعاطفة أكبر مما يحدث في الحالات الطبيعية.

ويوضح الدكتور فاضل أن "عاطفة المرأة تشكل عندها رأسمالاً غالياً، من الصعب أن تصرفه إلا بشروط خاصة، الأمر الذي يجعلها حذرةً في عملية منح تلك العاطفة لرجل قد لا يستحقها؟ فتلجأ إلى إظهار النقيض، تجنباً لما تخشى حدوثه".

ويضيف: "قد تشعر أحياناً بانجذاب نحو رجل ما، فتبدي لمن حولها موقفاً مغايراً لعاطفتها الحقيقية، وذلك لأنها تعتقد أن تقديم الحب دون شرط القبول المضمون من الرجل خسارة معنوية، وإذلال لشخصها، لذلك تظهر الكراهية أو تدعيها حفاظاً على كرامتها وأنوثتها".

21