الكراهية مشكلة عالمية وليست عربية

الأحد 2017/09/24

المسلمون السنة حاكمهم دنيوي عبر التاريخ ولا أهمية لرجال الدين الذين يتدخلون بالسياسة، بينما الشيعة بسبب الحوزات وتاريخ عقيدتهم لا يمكنهم طرد رجال الدين لأن الثروة والسلطة عندهم، وإيران اليوم دولة يحكمها الملالي لهذا فإن أفضل ما يستطيعون عمله للقضاء على “خطاب الكراهية” هو أن يغيروا مناهجهم الدينية.

شدّد مؤخرا أحد كبار مراجع التقليد الشيعة، الإيراني آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي على ضرورة تجميع المصادر الشيعية وصيانتها. وقال إنهم بدأوا مشروعا مهما لغربلة كتاب “بحار الأنوار” واستخلاصه. وإنهم انتهوا من طباعة 6 مجلدات من أصل 110 مجلدات من هذا الكتاب العملاق. وكتاب العلامة باقر المجلسي في عقائد الشيعة يعتبر أساس الكراهية والسب واللعن والطعن بالصحابة، وهذه خطوة إيجابية من الحكومة الإيرانية والمراجع.

حوزة النجف من جهتها شاركت في الحملة ضد “خطاب الكراهية” فالبيان الهام الذي أصدره آية الله السيد علي السيستاني بمناسبة محرّم دعا إلى الكف عن الاستقاء من “الأحلام والقصص الخيالية” التي اعتبرها البيان انحطاطا ينبغي الترفع عنه.

تقول المادة 4 من بيان المرجع السيستاني الذي صدر يوم الثلاثاء 12-09-2017 “أن يترفع المنبر عن الاستعانة بالأحلام وبالقصص الخيالية التي تسيء إلى سمعة المنبر الحسيني وتظهره أنه وسيلة إعلامية هزيلة لا تنسجم ولا تتناسب مع المستوى الذهني والثقافي للمستمعين”.

هناك سباق بين إيران والسعودية على التخلص من خطاب الكراهية الديني. السعودية بدأت بالمشايخ المتطرفين والإخوان المسلمين وهناك رقابة قانونية حكومية على الخطاب الديني عموما.

فقد وجّه أمير منطقة عسير الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز مؤخرا بمنع عضو الإفتاء في المنطقة الشيخ سعد الحجري من الإمامة والخطابة وجميع المناشط الدعوية بسبب إثارته للرأي العام خلال محاضرة ألقاها في أحد الجوامع التابعة لمحافظة خميس مشيط، حيث وصف النساء بأنهن “ذوات ربع عقل” في حديث يعترض فيه الشيخ على قيادة المرأة للسيارة. هنا إشارة رمزية إلى قرب السماح للسعوديات بالقيادة والتخلص من هذه القصة التي تسيء لسمعة البلاد عالميا.

العالم كله يحارب الكراهية

إيران، من جهتها، بدأت بمصادر العقيدة الشيعية الأساسية وتنقيح موسوعة “بحار الأنوار” لباقر المجلسي في طبعة جديدة، وكذلك طبعة جديدة لكتاب “مفاتيح الجنان” وتنقية الأدبيات الشيعية من الكراهية والعنف اللفظي. حتى المواكب واللطميات ستكون عليها رقابة. الدول العظمى والمنظمات الإنسانية انتبهت إلى خطورة الخطاب الديني والصراع المذهبي في الشرق الأوسط وتريد من الحكومات التعاون في هذه القضية.

السعودية تستطيع تحقيق إنجازات في مجال القضاء على خطاب الكراهية ودعاته بسبب انفصال الحاكم الدنيوي عن رجال الدين، بينما إيران لا تستطيع. يحاول المعتدلون الإيرانيون تحقيق إنجازات لكنها تفشل في النهاية بسبب هيمنة التيار المحافظ والحرس الثوري وولاية الفقيه على السلطة. فقد رأى المرشد الإيراني علي خامنئي أن “الأميركيين منزعجون ومنفعلون لانهيار مخططاتهم في غرب آسيا بفضل الدور الفعال للجمهورية الإسلامية الإيرانية”، أي أنه يعتبر العنف والكراهية الطائفية وهدم المدن العربية بمثابة إنجازات كبيرة.

مكافحة خطاب الكراهية لا يقتصر على المسلمين فقد سمع العالم منتصف الشهر الماضي خطابا مؤثرا ضد الكراهية لحاكم ولاية فرجينيا تيري ماكولف ضد العنصريين البيض الذين نظموا أكبر مظاهرة في جامعة فرجينيا وسط مدينة شارلوتسڤيل وصفها المراقبون بأنها أكبر تجمع كراهية منذ زمن بعيد. رفعوا شعارات نازية مثل “الأرض والدماء” ورفضوا قوانين الهجرة وطالبوا ببقاء تمثال روبرت لي الضابط الجنوبي الذي تعتزم الدولة رفع تمثاله لامتلاكه العبيد قبل تحريرهم.

العالم كله يحارب الكراهية وهي جذر الإرهاب والتطرف في العالم. لقد سبق لأوروبا والولايات المتحدة محاكمة الصرب وتأديبهم لجرائمهم العنصرية بحق المسلمين، وكذلك نسمع اليوم إدانة من الأمم المتحدة ومن وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية ريكس تيلرسون ضد الحكومة بورما البوذية لجرائمها بحقّ المسلمين الروهينغا.

كل خطاب كراهية هو بذرة إرهاب وعدوان وعلى الحكومات التعاون للقضاء عليه، وتشريع قوانين فعالة لملاحقة دعاته. كلنا عرضة للإصابة بمرض الكراهية ونحتاج مساعدة من الحكومات والدول وإلا ماذا تسمّي ظهور بروفيسور في العلوم السياسية من جامعة كامبريدج كالدكتور عبدالله النفيسي على الفضائيات وهو يردد بابتسامة ماكرة “إنما المشركون نَجَسٌ”.

في خطابه الأول أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة قبل يومين تحدث دونالد ترامب حول أهمية وجود دول ذات سيادة تسعى نحو الخير لشعوبها ولكن ما ينغّص صفو العالم أجمع وجود أمم شريرة وماكرة تسعى إلى تخريب العالم. وقال إن “رجل الصواريخ في مهمة انتحارية”، في إشارة إلى كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية. وأضاف “في حال اضطرّت الولايات المتحدة إلى الدفاع عن نفسها فلن يكون أمامها خيار سوى تدمير كوريا الشمالية بشكل نهائي”. وعلقت وزيرة خارجية السويد على هذا الخطاب بالقول “إنه الخطاب الخطأ، في الوقت الخطأ، وفي المكان الخطأ”.

ذهب الرئيس الأميركي إلى اعتبار أنها معركة تخوضها أمم الحق الكثيرة على أمم الباطل القليلة. ويقصد بـ”أمم الباطل” كل من كوريا الشمالية وسوريا وفينزويلا وإيران. لم يتردد ترامب في هذا الخطاب بوصف إيران بـ”دكتاتورية فاسدة تختبئ خلف نموذج ديمقراطي مزيف” وأنها “دولة لم تصدّر إلى العالم سوى العنف وإراقة الدماء والفوضى”.

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وصف هجوم ترامب في خطابه الشهير داخل الأمم المتحدة بأنه “خطاب كراهية ينتمي إلى القرون الوسطى وليس إلى القرن الحادي والعشرين في مقر الأمم المتحدة ولا يستحق الرد، وإن تعاطفه المزيف مع الشعب الإيراني لن يخدع به أحدا”.

المهم في هذه الورقة أن خطاب الكراهية الذي يسعى العالم كله إلى التخلص منه وبدأت دول كبيرة في الشرق الأوسط تعي خطورته لأنه جذر الإرهاب والعنف لكن هذا لا يعني بأنه مشكلة الدول الإسلامية وحدها.

الرئيس ترامب نفسه رغم نواياه الحسنة لتأديب أنظمة شريرة مثل كوريا الشمالية وإيران فإنه يقع في خطاب إشكالي حين يقول “إن أمم الحق الكثيرة في مواجهة مع أمم الشر القليلة” أو أنه لن يكون أمامه خيار سوى محو كوريا الشمالية من الوجود. يجب الانتباه بقلب مسيحي إلى الخطاب الذي نستخدمه لمواجهة الشر حتى لا نصبح جزءا من هذا الشر بالعدوى.

الفيلسوف كارل بوبر قال مرة إن قيم التسامح الاجتماعي تحمل بذور انهيارها في داخلها. فلحماية التسامح علينا الوقوف بوجه هؤلاء الذين يرفضون التسامح وينشرون خطاب الكراهية. لا بد من قوانين غير متسامحة تقف بوجه أعداء التسامح. وهذا ما تفعله الدول العربية من خلال مناصحة ومحاكمة رجال الدين المتطرفين وعلى العالم بالمقابل أن يرحّب بهذه الإنجازات.

كاتب عراقي

6