الكرة الإيطالية تترنح لكنها لا تسقط

الأحد 2014/11/09

منذ سنوات ليست بالقصيرة تعيش الكرة الإيطالية أسوأ فتراتها على الإطلاق، وقد يصح القول إن بداية هذا الانزلاق بدأت ملاحمها تظهر منذ سنة 2006، تاريخ حصول المنتخب الإيطالي على آخر لقب دولي له بعد التتويج بكأس العالم الذي أقيم في ألمانيا.

منذ ذلك التاريخ لاح جليا التراجع الرهيب للكرة الإيطالية، فبعد أن كانت تهيمن بصورة واضحة على المشهد الكروي في مسابقة رابطة الأبطال الأوروبية، وكان حضورها متوهجا على الدوام، تراجعت أقوى الأندية الإيطالية واختفت خلف الستار، تاركة المجال للأندية الأسبانية والإنكليزية والألمانية كي تفرض سيطرتها وتقول كلمتها.

والدليل على ذلك أن ممثلي الكرة الإيطالية لم يقدروا على بلوغ الدور النهائي طيلة هذه الفترة سوى في مناسبتين فقط، الأولى سنة 2007 عندما حقق الميلان اللقب والثانية سنة 2010، حيث حقق أنتر ميلان لقبه الثالث في المسابقة، ودون ذلك كان الحضور شرفيا ويقتصر في أغلب الأحيان على بلوغ مرحلة المجموعات.

لقد برز تراجع الأندية الإيطالية على مستوى المسابقات الأوروبية طيلة السنوات الماضية، من خلال تراجع نصيب الدوري الإيطالي في مقاعد المشاركة ضمن رابطة الأبطال، حيث أصبحت تمثل بثلاثة أندية فقط، في حين صعدت الدوريات القوية الأخرى مثل الدوري الإنكليزي والدوري الأسباني والدوري الألماني.

وبما أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم منحها شرف المشاركة بأربعة فرق، نظير تألقها وحضورها اللافت في المسابقة خلال الأعوام الماضية، ورغم خسارة الكرة الإيطالية لمقعدها الرابع، فإنها تعتبر تاريخيا الأكثر تتويجا بعد الكرة الأسبانية برصيد 12 بطولة منذ نشأة هذه المسابقة العريقة.

وفي خضم التطور الحاصل لدى أغلب الأندية الأوروبية المعروفة على غرار ريال مدريد الذي عاد إلى الواجهة الموسم الماض، بحصوله على بطولته الأوروبية العاشرة، أو برشلونة صاحب البطولات الثلاث في السنوات الماضية، أو بايرن مونيخ الذي تمكن بدوره من نيل نصيبه من التتويجات، أو تشليسي.. *

فإن نقاط استفهام كبرى رافقت مستوى الأندية الإيطالية، والأكثر من ذلك أن مستوى المنتخب الإيطالي تراجع بشكل محير، والدليل على ذلك خروجه المذل منذ الدور الأول في مونديالي جنوب أفريقيا سنة 2010 والبرازيل الصائفة الماضية، ولم يشفع له الوصول إلى نهائي أمم أوروبا سنة 2012، كي يعود إلى الواجهة من جديد إلى حد الآن.

أسئلة كثيرة ترافق هذا التراجع الرهيب الذي لم يقدر فريقا اليوفنتوس وروما ممثلا الكرة الإيطالية هذا الموسم على الرد عليه، فاليوفي مازال يعاني ولم يقدم خلال مرحلة المجموعات في المسابقة الأوروبية، ما يشفع له أن يكون أحد المرشحين للمراهنة بقوة على اللقب هذا العام، أما نادي روما فقد تلقى درسا قاسيا من العملاق البافاري بايرن مونيخ، حيث هزمه بسباعية كاملة في إيطاليا بالذات.

أما على مستوى المسابقة الأوروبية الأخرى أي الدوري الأوروبي، فإن أندية أنتر ميلان ونابولي وفيورنتينا لم تقدم إلى حد الآن خلال مراحل المجموعات ما يجعل أنصار الكرة الإيطالية يطمئنون على عودة كرة إيطاليا إلى الواجهة في القريب.

للبحث عن إجابات تكشف أسرار هذا التراجع الكبير لمستوى الأندية الإيطالية ونتائجها، يجب فعلا العودة إلى سنة 2006 التي شهدت أول انكسار حقيقي عرفته الكرة في إيطاليا خلال الحقبة الحالية، حيث تمت معاقبة عدة أندية أبرزها اليوفي والميلان بسبب فضائح التلاعب بالنتائج والتورط في التأثير على الحكام، وبعض المشاكل المالية الأخرى. في ذلك العام تم تسليط عقوبات قاسية للغاية خاصة على اليوفي الذي تم تجريده من لقبه، وإنزاله إلى الدرجة الثانية فضلا عن أندية الميلان ولاتسيو وفيورنتينا وريجينا، التي تلقت عقوبات مالية قاسية وتم حسم رصيد من نقاطها.

ورغم أن الإدانة كانت ثابتة وصريحة، إلا أن أثر العقوبات القاسية زلزل كيان الدوري الإيطالي بعد فضيحة مدوية ساهمت في تدني العائدات والمداخيل المتأتية من الإشهار والبث التلفزيوني، وكان من الطبيعي أن يسقط الدوري الإيطالي في “مستنقع″ المشاكل المالية الخانقة التي أثرت على جميع الأندية.

ولم يتم تفادي هذه المشاكل، بل تواصلت واستمرت طويلا خاصة وأن أغلب النوادي عاشت صعوبات اقتصادية خانقة، بسبب قلة الدعم وغياب الشركات الراعية العالمية التي أصبحت ترى في الدوري الأسباني أو الإنكليزي الملاذ الآمن.

ولعل من بين الأندية التي تأثرت بهذا الهبوط على مستوى المداخيل فريق الميلان، الذي اضطر ذات موسم أن يفرط في أغلب نجومه على غرار زلاتان إبراهيموفيتش وتياغو سيلفا إلى نادي باريس سان جيرمان بمبالغ خيالية، حتى يتمكن من مجابهة ديونه، والنتيجة كانت تراجعا رهيبا في نتائج هذا الفريق الذي لم يعرف التتويجات محليا وأوروبيا منذ سنوات. أما اليوفي ورغم “الحماية” الأمنية التي يجدها من مالكي النادي، إلاّ أنه يعاني من مخلفات “نفسية” بعد ابتعاده الطويل عن المسرح الأوروبي، ولم يجد بعد توازنه وقوته كي يفرض سلطانه في المسابقة الأوروبية.

وبعد سنوات من التقشف وعدم المغامرة بدخول سوق الانتقالات المستعرة، فإن أغلب الأندية بدأت منذ الآن تستعد لترميم أوضاعها وتصليح مسارها، من أجل تجاوز مرحلة الترنح والإفلات من السقوط في دوامة المشاكل والفضائح المدوية.

23