الكرة في ملاعب الأدب

السبت 2017/03/04

لعلّ الصورة النمطيّة الدارجة عن الأدباء في أذهان كثيرين، هي تلك المتعلّقة بالعزلة والانزواء والسكنى بين الكتب والتنقّل بينها بأجساد مترهّلة ونظّارات سميكة، ورغبة عن مواكبة الرياضة وأخبارها وسير نجومها، لكن هذه الصورة تكون قيداً كسره الكثير من الأدباء وثاروا عليه بكتاباتهم واقتحامهم ملاعب كرة القدم كخبراء في النفس البشريّة وكشّافين لخبايا اللعبة ودواخل أقطابها.

كان الأرجنتيني إدواردو غاليانو (1940- 2015) من السباقين لاقتحام ميدان كرة القدم بأدبه، وهو الذي اعترف بأنه منذ كان طفلاً رغب في أن يكون لاعب كرة قدم، وقد كان أفضل المفضلين، كان اللاعب رقم واحد، ولكن في أحلامه فقط. وحين كان يستيقظ، ما إن يخطو خطوتين ويركل حجراً على الطريق حتى يتأكّد من أن لعب كرة القدم ليس له. وتحوّل إلى الكتابة، كما كتب عن كرة القدم أكثر من مرة، ويشكّل كتابه الهامّ “كرة القدم بين الشمس والظلّ” عتبة تجمع بين الكرة والأدب والفكر والثورة والحلم.

تراه يشير في قصّة له بعنوان “الكرة كأداة” إلى ما تنسبه الدكتاتوريات لنفسها من نجاحات منتخبات بلدانها، وإرجاع الفضل إليها في ذلك، وكيف أنّ في مباريات كأس العالم 1934 و1938 كان اللاعبون الإيطاليون والألمان يحيون الجمهور براحات أكفهم ممدودة إلى أعلى. النصر أو الموت. هكذا كانت أوامر موسوليني. ويستشهد بمقولة غوبلز “كسب مباراة دولية أهم للناس من الاستيلاء على مدينة”.

أذكر كتاباً مهمّا كان قد نشره مشروع “كلمة” قبل سنوات بعنوان “كرة القدم.. الحياة على الطريقة البرازيلية” للبريطانيّ أليكس بيلوس الذي يظهر كيف أنّ كرة القدم تتغلغل في مختلف مناحي الحياة البرازيلية، وتغدو أسلوب حياة لأهلها، وأداة للحب والتحرّر والثراء في الوقت نفسه، ومدخلاً للتاريخ وبوّابة للعبور إلى المستقبل، وذلك بالموازاة مع تنامي عالم فساد شبحيّ يفرض على هامش الانتشار الرهيب للعبة الأكثر جماهيرية في العالم.

في العالم العربيّ مؤخّراً بدأ الاهتمام يتوسّع بعوالم كرة القدم، وتأتي رواية التونسيّ شكري المبخوت الجديدة “باغندا” لتقارب تاريخ بلد في بعض جوانبه السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية من خلال سيرة لاعب كرة قدم، وكيف أنّ اللاعب يمكن أن يكون ثروة وطنيّة يبدّدها الفاسدون، أو يتخلّون عنها بطريقة مشينة.

تغدو الصور النمطية أداة إجحاف بحقّ الأدباء والرياضيين واهتماماتهم ومتابعاتهم الرياضيّة في عالم اليوم الذي لم تعد فيه الكرة مقيدة بملعب فقط، بل أصبحت شغل الناس وشاغلهم، اقتحمت ملاعب الأدب كما اقتحمت مختلف الأسواق والمجالات، لذلك يكون التركيز الأدبيّ عليها بقاءً على تماسّ مع المؤثّرات الواقعيّة في حياة الناس هنا وهناك، وتوسيعاً لمضمار الأدب وملاعبه في الوقت نفسه.

كاتب من سوريا

17