الكرة في ملعب الإعلام الليبي بعد أن سحبت الحكومة "حارس المرمى"

رئيس لجنة إصلاح وتطوير الإعلام عبدالرزاق الداهش يرى فرصة لإعلام ليبي أكثر مهنية وأكثر استقلالية.
الثلاثاء 2021/09/21
صحافة ثورية

يعتبر رئيس لجنة إصلاح وتطوير الإعلام الليبي عبدالرزاق الداهش أن وسائل إعلام غير منضبطة حوّلت الإعلام من فن لإدارة الحقائق إلى مهنة لإدارة الحرائق على حساب الليبيين وتطلعاتهم. لعل الحل في هيئة عليا مستقلة للإشراف على الإعلام.

تستعد لجنة إصلاح وتطوير الإعلام في ليبيا لإصدار توصياتها خلال الأيام القادمة، وفق ما أكده رئيسها عبدالرزاق الداهش في مقابلة خص بها “العرب”، معتبرا أنه “لم يبق إلا القليل”.

وتنتظر الساحة الإعلامية الليبية نتائج اللجنة التي أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة عن تشكيلها في يونيو الماضي، لتمارس عملها تحت إشراف وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية.

ومنحت اللجنة صلاحية عقد حوارات موسّعة مع كل المهتمين بالمجال الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني، للاستنارة بآرائهم في الإجراءات الإصلاحية اللازمة لقطاع الإعلام، فيما ينبغي عليها تقديم تقرير بنتائج أعمالها للعرض على رئيس الحكومة.

وتتكوّن اللجنة من تسعة أعضاء هم جلال عثمان، فتحي إميمة، عطية باني، منير مفتاح، محمد الأصفر، سليمة بن نزهة، علي جابر، وفريدة طريبشان، وعياد العشيبي، إلى جانب رئيسها الكاتب الصحافي وصاحب التجربة الواسعة في إدارة المؤسسات الإعلامية، وآخرها هيئة دعم وتشجيع الصحافة عبدالرزاق الداهش.

عبدالرزاق الداهش: دفعنا نحن الليبيين فاتورة خطاب الضغينة والشيطنة والتشفي

ويعتقد الداهش أن ما ينتظره من الإعلام الليبي مستقبلا أن يكون “إعلاما أكثر مهنية، وأكثر استقلالية، ووفقا لثنائية حرية ومسؤولية، وهذا ما نراه كمقومات أو مرجعيات، لاستخلاص إجابة السؤال: كيف ينبغي أن يكون إعلامنا؟”.

وقال الداهش ردا على سؤال “العرب” حول واقع الإعلام الليبي “لا نريد أن نقول إنه منطقة منكوبة، ولكن الكثير من وسائل الإعلام كانت بالفعل جزءا من حالة التوتر، بدل أن تكون جزءا من حالة الاستقرار”، مشيرا إلى أن “هناك الكثير من الانتهاكات والإخلالات المهنية، هناك وسائل إعلام حولت الإعلام من فن لإدارة الحقائق إلى مهنة لإدارة الحرائق، وفي النهاية دفعنا نحن الليبيين فاتورة خطاب الضغينة والشيطنة والتشفي، من وقتنا وإمكانياتنا ولحمنا الحي”.

وحول صلاحيات لجنة الإصلاح والتطوير، ودورها في توحيد الخطاب الإعلامي في اتجاه الثوابت الوطنية الكبرى كالمصالحة وتكريس الحل السياسي وتجاوز حالة الانقسام السياسي، بيّن الداهش أن “اللجنة ليست بديلا عن أي جسم يمكن أن يدير أو يشرف على وسائل الإعلام العمومي، ولا مؤسسة لرصد الاختلالات، ولا نقابة للصحافيين الليبيين” وإنما “وظيفتها تصميم تصورات لنظام إعلامي متصالح مع العصر، فضلا عن تحويل منشور رئيس الحكومة رقم 8 إلى واقع، وإنتاج بيئة عمل للصحافيين وعدم التضييق عليهم وحماية مصادرهم وحريتهم في النفاذ إلى المعلومات”.

وتابع الداهش في أول مقابلة صحافية بعد تشكيل اللجنة “نستمع دائما لتوحيد الخطاب، أنا لا أدري كيف يكون توحيد الخطاب، يعني مثلا نفرض سياسة تحريرية واحدة على كل وسائل الإعلام؟”، وأضاف “نحن نرى مدونة قواعد السلوك المهني هي دليل العمل الصحافي، ودستور الصحافيين، وعموما هي متشابهة في أغلب دول العالم لأن المعايير الحرفية واحدة”، مشددا على أنه “ينبغي علينا دائما أن ندرك كي نتدارك أن الإعلام في آخر تعريف لليونسكو هو منفعة عامة، وتظل المصالحة والتسامح، وكل ما يخدم هذا البلد جزءا من مهمة الصحافي بل أولوية، وقد تضمنت مدونات السلوك ومواثيق الشرف في الدنيا كل ذلك”.

وحددت المادة الثانية من قرار إنشاء لجنة إصلاح وتطوير الإعلام مهام اللجنة في “وضع المقترحات والتصورات اللازمة لتنفيذ ما جاء بمنشور رئيس حكومة الوحدة الوطنية رقم 8 لسنة 2021 المشار إليه، المتضمن مطالب الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني بشأن إصلاح وتطوير الإعلام في ليبيا”.

وعمم الدبيبة في الثالث من مايو الماضي منشورا بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، شدد على الحق في التعبير وانتقاد أداء الحكومة، ومنع استهداف أو اعتقال الصحافيين، والالتزام بحمايتهم من المخاطر أثناء تأدية أعمالهم.

وتعهدت حكومة الوحدة الوطنية في المنشور بضمان حق الصحافيين في حماية مصادر معلوماتهم، والعمل على إعادة هيكلة مؤسسات الإعلام والصحافة الليبية، وتوسيع دائرة المشاركة في الإدارة من خلال استحداث مجالس للأمناء داخلها، لضمان تمثيل واسع.

صحافة مسؤولة
صحافة مسؤولة

وأبرز الداهش أن “اللجنة عقدت أكثر من 30 حوارا مجتمعيا في جنوب وشرق وغرب ليبيا، وقد ناقشت مرئيات أكثر من 300 صحافي وناشط مدني وأكاديمي، كما استلمت اللجنة 35 استمارة رأي تتضمن آراء وتصورات عدد من الصحافيين إزاء الإعلام، وكيفية إدارته وهيكلته والنهوض به”، موضحا أنه “تم التوصل إلى نتائج مهمة في ما يتعلق بمؤسسة مشرفة أو هيئة لرصد الفضاء البصري والسمعي والمكتوب، نستطيع أن نقول (هايكا ليبية)، تملك تسليط الجزاءات لضبط الإخلالات المهنية والأخلاقية” في إشارة إلى إمكانية تأسيس هيئة عليا مستقلة الهيئة للاتصال السمعي البصري على غرار ما هو معمول به في تونس ودول أخرى.

ولفت الداهش إلى أنه “تم التوصل إلى مشروع لصندوق دعم الصحافيين سوف يدعم المشاريع الصحافية، ويسند جوائز الإبداع والتقدير، ويشجّع على العمل المتميز، وخاصة في مجالات المنتوجات الصحافية الحديثة كالصحافة الاستقصائية، وصحافة البيانات، وغير ذلك، كما هناك أيضا تصور لمركز إداري يُعنى بالفضاء السمعي، ومنطقة حرة للإعلام (مدينة إعلامية)، زد على ذلك أن اللجنة تعمل على مساعدة الصحافيين لإعادة تأسيس نقابتهم، لأن نقابة الصحافيين فضلا عن كونها إطارا للتضامن المهني هي شريك مهم في إدارة الإعلام والمحافظة على المسطرة المهنية وجودة الصحافة”.

وبيّن الداهش أن “اللجنة كانت منفتحة على كل رأي من أي زميل، ربما بعض الظروف قد صعبت علينا التحرك بشكل أسرع مثل جائحة كورونا، ولكن بذلنا كل ما ينبغي علينا أن نبذله من أجل أفضل ما يمكن عمله لأفضل ما يمكن تصوره. صحيح الظرف ليس مثاليا، ولكن تطلعاتنا مثالية”.

وحول دور الحكومة، أكد رئيس لجنة إصلاح وتطوير الإعلام أنها “وضعت الإعلام بيد الإعلاميين، وكأنها تقول لنا خذوا إعلامكم، وللأمانة ولأول مرة حكومة -حتى البرلمانات تميل عادة إلى التضييق فما بالك بحكومة- لا تسعى للرقابة على الإعلام وتضع نفسها تحت رقابته”. وزاد موضحا “الآن الكرة في ملعبنا، وعلينا أن نستثمر هذه الفرصة، وخاصة أن الحكومة سحبت حارس المرمى”، مستطردا “صحيح قد تحول أي ظروف غير محسوبة، دون أن نحقق كل ما نريد وهذا احتمال، ولكن هناك (على الأقل) كسبنا شرف التطلع”.

لجنة إصلاح وتطوير الإعلام في ليبيا منحت صلاحية عقد حوارات موسّعة مع كل المهتمين بالمجال الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني، للاستنارة بآرائهم

وردا على سؤال يتعلق بإمكانية ضبط حالة الانفلات الإعلامي في البلاد، وإمكانية التأثير لضبط معايير أجهزة الإعلام العاملة في عواصم خارجية، أجاب الداهش “قبل كل شيء هنا لا بد أن نفرق بين حالتين من الانفلات. هناك انفلات منتج، يتعلق بطفرة مرتفعة في عدد من وسائل الإعلام، وهذه أتصوّرها حالة خلّاقة. أما في ما يتعلق بإعلام التجييش وخطاب الكراهية والتأزيم، فهذا لا بد أن يضبط، ومن بين التصورات أن تكون هناك هيئة مستقلة لرقابة الفضاء الإعلامي بشتى أشكاله، وقد نوّهت في البداية إلى هذا التصور المتصل بتشكيل هيئة وطنية عليا مستقلة ينبغي أن يكون بها قضاة، ويمكن أن تعاقب أي وسيلة إعلام خارجية بفرض جزاءات مثل إيقاف إذن المزاولة، ومنع التعامل معها ومقاطعتها، ويمكن لو كانت الإخلالات جسيمة تحويل القضية إلى لجنة العقوبات بمجلس الأمن”.

وتابع الداهش “الحقيقة كان يفترض أن يكون الإعلام هو مسار خامس في سياق حل المشكلة الليبية، لا نقصد خمسة زائد خمسة إعلامية، ولكن مثلما هناك مسار سياسي ومسار عسكري وثالث اقتصادي ورابع تأسيسي، كان يتعين أن يكون هناك مسار خامس إعلامي”.

وفي ما يتعلق بالدور المنتظر من الإعلام الليبي في دعم المسار الانتخابي، أشار الداهش إلى أنه “في كل عملية انتخابية لا بد أن تتوفر أربعة شروط، الشرط الفني وتتولاه المفوضية العليا للانتخابات، والشرط القانوني وهو مسؤولية الجهاز التشريعي البرلمان، والشرط الأمني وهو الحكومة ومؤسستها الشرطية، ويبقى الشرط الرابع والأهم وهو القبول بنتائج الانتخابات. وهنا تأتي مسؤوليات الإعلام في التعاطي مع العملية الانتخابية بنزاهة واحتراف وحيادية تامة، وعدم الانزلاق في ارتكاب أي إخلالات مثل بث أخبار مزيفة أو اجتزاء أخبار أخرى بغرض شيطنة طرف. وهنا لا بد أن تكون هناك ورش عمل ينبثق منها ميثاق شرف للسلوك الصحافي في وقت الانتخابات وهذا ما ننتظره بالتعاون مع المفوضية ومؤسسات المجتمع المدني، في غياب نقابة قوية ومطلبية للصحافيين”.

18