الكرة والقلم

الاثنين 2017/11/20

للأدب علاقة خاصة بالرياضة، وبكرة القدم تحديدًا. ليس فقط لأنّ العديد من الأدباء اشتغلوا على هذه الرياضة في قصصهم ورواياتهم، ولكن أساسًا لأنّ العديد من الأدباء كانوا رياضيين، وكانوا لاعبي كرة قدم تحديدا. فمثلا صاحب نوبل ألبير كامو كان حارسا لمرمى فريق جامعة الجزائر في موسم 1930. الأديب الروسي الكبير نابوكوف كان هو الآخر حارس مرمى. وكذلك الشاعر الروسي يفتوشينكو.

أما الشاعر المغربي أحمد صبري صاحب ديوان “أعطاني خوخة ومات” فكان لاعب كرة قدم ومدرّبا في ما بعد. صاحب “اشتعال الثلج” الشاعر المراكشي جمال أماش كان لاعب كرة قدم.

صاحب رواية “المغاربة” عبدالكريم الجويطي عاشقٌ كبيرٌ لكرة القدم بل شغل لفترة منصب رئيس فريق رجاء بني ملال، ولقد كان للكرة المستديرة حضور قوي وطريف في روايته “كتيبة الخراب”، أول رواية مغربية تبلغ القائمة الطويلة لجائزة البوكر.

ثم إنّ الأدباء والمبدعين قد تأمّلوا في هذه الرياضة وحاولوا اجتراح تعريفات خاصة لها. هكذا يقول جون بول سارتر بأن “كرة القدم هي مجاز الحياة”. أمّا تي إس إليوت فـ”كرة القدم- بالنسبة له- هي العنصر الأساسي في الثقافة المعاصرة”. المخرج الإيطالي بازوليني اعتبر كرة القدم “لغة” جديدة تزخر بالرموز.

وإذا كان عبدالكريم الجويطي يرى أنّ لكرة القدم توابل التراجيديا اليونانية، فإنّ الشاعر المغربي سعد سرحان يسجّل أنّ الديني والأسطوري ضاربان في عمق كرة القدم، ولنا فقط أن نلاحظ التسميات التالية: (أياكس أمستردام): فأياكس هو أحد أبطال حرب طروادة. (فورتونا دسلدورف): فورتونا هي آلهة الثروة عند اليونان. (جوفونتوس): من أساطير الحب والجمال عند اليونان، وهناك لوحة شهيرة تتوسطها جوفونتوس محاطة بالوصيفات وهن يحملن كؤوسا. ثم لا يمكننا أن ننسى أيقونة كرة القدم البرازيلية أديسون أرانتيس ناسيمنو المشهور بـ”بيليه”. فـ”بيليه” هو والد آخيل أحد أشهر الأبطال الأسطوريين في الميثولوجيا الإغريقية.

مرّة في برلين جمعني لقاء مع الأديب الجزائري الكبير رشيد بوجدرة في مؤسسة “هاينرش بول”، وكان الألمان الذين حضروا اللقاء يتوقّعون من لقاء يجمع جزائريا ومغربيا وجها لوجه بعض الحرارة، بل منهم من كان يتصوّر أنّ اللقاء قد يتسرّب إليه بعض الغمز واللمز السياسيين. لكن صاحب رواية “ضربة جزاء” ترك الأدب والسياسة جانبا، وفاجأ الجمهور الألماني بحديث بالغ الطرافة عن العلاقة بين المغرب والجزائر وألمانيا انطلاقا من كرة القدم ومواجهات البلدان الثلاثة في معتركاتها. ولأنّني سايرت الأديب الجزائري الكبير في مسعاه فقد توالت ضربات الجزاء خلال اللقاء، وكانت كلها مشروعة، أغلبها أصابت المرمى واستحقت التصفيق.

لكن، ماذا حينما يصفق الشاعر للاعب كرة القدم؟ كان الأمر يحتاج شاعرا بقيمة محمود درويش لكي يعلن عشقه للمستديرة على رؤوس الأشهاد. إذ لم يتردّد شاعر القضية الفلسطينية في كتابة نص نثري شفاف جميل أشبه ما يكون بقصيدة غزل قالها الشاعر في النجم الأرجنتيني دييغو مارادونا “قوي كالثور. سريع كالقذيفة. يدخل الملعب كأنه داخلٌ إلى كنيسة. يُغربل الدفاع ويهدِّف. نجم هذا العصر. لن يجد الأطباء دمًا في عروقه. سيجدون وقود الصواريخ”.

من حق رونالدو وميسي أن يعتبرا نفسيهما سيّئَيْ الحظّ. فقد فاتهما أن يشاهدهما عاشق كبير للعبة اسمه محمود درويش.

كاتب مغربي

14