الكرسي الفارغ

أجمل لوحة من بين المجموعة التي رسمها الفنان أسعد عرابي سنة 2011 وخصصها لأم كلثوم وجوقتها الموسيقية هي اللوحة التي زاوج فيها ما بين حضور الكرسي وغيابه.
الجمعة 2018/11/23
كرسي القصبجي رمز في لوحات الفنان التشكيلي أسعد عرابي

تبنّي الرموز المُفرغة من معانيها من قبل الجهات المُستخدمة لها، أصبح سمة معاصرة تتسابق على  تصميمها أو تكريسها تلك الجهات، إما عبر تجفيف منابعها أو إخراجها من إطارها وحاضنتها الشعبية وما تعنيه لبلدان يتباعد بعضها عن بعض جغرافيا أو سياسيا، لكن تلتقي على تثمين تلك الرموز كقاسم عميق ومشترك بينها.

ربما من أهم محاولات إخراج رمز من أصالته العربية وتاريخه الشعري، هو ما حدث مؤخرا عندما افتتح، وحسب وكالة أنباء رويترز، نير بركات رئيس بلدية القدس الإسرائيلي شارعا في منطقة بيت حنينا بالقدس الشرقية مُطلقا عليه اسم كوكب الشرق أم كلثوم.

محاولة خبيثة وواهية لم يرحب بها العرب بشكل عام والفلسطينيون بشكل خاص، الذين يدركون جيدا أن الكيان الإسرائيلي يعرف كيف يبتكر أو يستغل أي رمز أو ظرف لتحسين صورته عالميا ولخدمة أيديولوجيته وإظهاره لها بأنها مشروع للسلام والوئام وقبول الآخر.

وأيضا وفق مصدر الأنباء أنه بالرغم من “دعوة أهالي بيت حنينا لحضور الاحتفال كان عدد الموجودين صغيرا.. وقال رجل من سكان القدس الشرقية يدعى إسحاق القواسمي: هذا الشارع هو على حساب المواطن الفلسطيني.. على حساب هدم بيته ومصادرة أرضه، وبالآخر بقولوا لنا شارع أم كلثوم، كلمة أم كلثوم هاي مورفين، أنه سمينا لكم الشارع بدال موشيه ديان ولا شلومو ولا حاييم باسم عربي، هذا كلام كذب، قبل ما يفتتح الشارع.. يروح يوقف هدم المنازل في سلوان.. وفي بيت حنينا”.

أما قول رئيس البلدية بأن ما يفعلونه الآن من “تخصيص أرقام ورموز بريدية وأسماء لكل المساكن والمنازل والشوارع في القدس الشرقية، هو استكمال خطوة إستراتيجية لتحسين نوعية معيشة كل السكان”، فهو تأكيد على اعتبار الآخرين من عرب وأجانب أغبياء وغير قادرين على التمييز ما بين السماحة الشكلية والوقاحة الفعلية.

كان من الأفضل لو وجدوا اسما رمزيا آخر دائرا في فلك أم كلثوم، إن هم أصروا،  ليسموا به الشارع، فيكون أكثر دلالة على صدق الموقف بعيدا عن زيف النيات الطيبة.

أسعد عرابي أحال هذا الكرسي المقرون بخياله الأبيض إلى مشهد كراسي القش التي يضعها أصحاب المقاهي فوق بعضها البعض بعد مغادرة الزبائن

حبذا لو أطلقوا على هذا الشارع اسم “كرسي القصبجي الفارغ” الكرسي البسيط الذي حرصت أم كلثوم على الحفاظ عليه شاغرا بعد وفاته في كل حفلة طربية أقامتها حتى وفاتها هي، حبذا لو فعلوا ذلك لما يوحي به الاسم من فقد وغياب مقرونَيْن بالحنين إلى زمن ولى من ناحية، ومن ناحية ثانية لما يشير إليه من مكانة الموسيقار الغائب/ الحاضر دوما، والذي كان اسمه مقرونا باسم أم كلثوم حتى قيل عنه إن حياته “تبدأ وتنتهي عند كوكب الشرق أم كلثوم”.

ولعل أهم من صور الموسيقار وكرسيه/ الرمز في لوحاته التشكيلية هو الفنان التشكيلي السوري أسعد عرابي، حيث بدا الكرسي حاضرا كهالة أثيرية في لوحات وحاضرا بحسية عالية في لوحات أخرى ليلغي معنى الغياب وليلمع نجم “العودة” في صوت أم كلثوم العربي وفي وجدان المستمعين وفي ليل العالم.

أجمل لوحة من بين المجموعة التي رسمها الفنان سنة 2011 وخصصها لأم كلثوم وجوقتها الموسيقية هي اللوحة التي زاوج فيها الفنان ما بين حضور الكرسي وغيابه، ما بين غياب محمد القصبجي الجسدي وحضوره الروحي، ما بين المنفى والعودة.

أظهر أسعد عرابي في لوحته هذه وفي آن واحد الكرسي في حالتين اثنتين مختلفتين ظاهريا، ولكنهما متواطئان داخليا، رسم كرسي مُترقب لـ”عودة” الموسيقار إلى الجوقة الموسيقية ووراء أم كلثوم وهي تغني أمام جمهورها، ورسم الكرسي الفارغ ذاته وفوقه خياله المُطابق له في الشكل واللون.

أحال هذا الكرسي المقرون بخياله الأبيض إلى مشهد كراسي القش التي يضعها أصحاب المقاهي فوق بعضها البعض بعد مغادرة الزبائن، ولكن أيضا قبيل عودتهم في الصباح التالي.

كمبادرة حسن نية فعلية حبذا لو أطلق على الشارع المقدسي اسم “كرسي القصبجي الفارغ” أسوة بالذي غادره صاحبه قسرا وعاد إليه في كل ليلة صدح فيها صوت أم كلثوم قويا-عربيا إلى يومنا هذا، وإلى أبعد منه كذلك.

17