الكرسي في العراق بين عنف الحجاج وحيلة المختار الثقفيين

الأحد 2014/07/13
ارتبط اسم الحجاج بالدم

تستغرق الروايات التي رويت عن التشبث بكرسي السلطة التاريخ بالكامل تقريباً، فليس مِن حدث سياسي واجتماعي كان خالياً مِن عِشق هذا الكائن، فهو السَّماء والأرض والماء والهواء بالنِّسبة إلى صاحبه، ونادراً ما يتم التَّنازل عنه مِن تلقاء النفس، وإن حدث ذلك ففي الغالب “مكره أخاك لا بطل”. إن التَّنازل عن الكرسي أمر لا يحسب الحاكمون حسابه، وأولئك كانوا ملوكاً أو سلاطين أو ثواراً جلسوا عليه إما وراثة أباً عن جد، وإما بالثَّورة. فكيف الحال مع مَن أتى إلى الكرسي بمحض الصُّدفة، وما كان يحسب له حسابا، أو أنه فكر به ولو كان كرسي إدارة هامشية لا كرسيا مثل كرسي العراق.

لسنا بمحل كتابة تاريخ الكرسي، وما بذلت مِن دماءٍ لأجله عبر قرون مِن تاريخ العراق القديم والمعاصر، أما حوادث العراق الحالية تذكرنا بجانب مِن هذا التاريخ، ولعل أبرز المدافعين عن كرسي الإمارة، والمرتبط بكرسي الخلافة، هو الحجاج بن يوسف الثَّقفي، فالرجل عاش عشرين عاماً (75 - 95 من الهجرة) جالساً على كرسي إمارة العراق، وظل عليه حتى أنزلته يد المنون منه.

لا نعلم ما هي مواصفات ذلك الكرسي، سوى أن الحجاج كان يُلقي من عليه الخطب النَّارية والدَّموية، مهدداً ومتوعداً ومحمساً السامعين إلى قتال المنشقين عن الخليفة. صحيح أن الحجاج كان يدافع ويذود عن كرس الخلافة، وأنه يعتبرها منصباً إلهياً، ومَن للخليفة بيعة في رقبته يكون دمه مباحاً في حالة اختلف مع الخليفة ولو بكلمة أو همسة، فكيف إذا كان الاختلاف برفع السيف. لكنَّ التاريخ أسهب في وصف الحجاج ودمويته، وجل الذين أكثروا في ذلك هم مٍن أهل السُّنة، وعلى وجه الخصوص مِن المؤرخين المعدودين على المذهب الشافعي، والقصد من ذلك أن أهل المذاهب لم يختلفوا على دمويته.


البداية والنهاية


قدم صاحب “البداية والنهاية” وصفاً لأحوال الحجاج من ولادته وحتى إمرته على العراق، ويبدو كم كان يبغضه، ليس وحده إنما أكثر المؤرخين الشافعيين كذلك. قال: “كان اسمه كليباً، ثم سمّي الحجاج، وعند ولادته لم يرتضع أياماً، ثم سقي دم جدي، فارتضع، وكان كثير قتل النَّفوس، ويتشبه بزياد بن أبيه، وبالجملة كان الحجاج نقمة على أهل العراق، وما بقيت حرمة إلا وقد هتكها، وكان مبذراً في الدماء والأموال، حيث لم يترك في بيت المال سوى ثلاثمائة درهم”. فقيل عمل الحجاج شرطياً، ومن هذا الباب دخل في خدمة آل مروان وضرب في سبيلهم الكعبة بالمنجنيق، وحرك الحجر الأسود من مكانه، بعد اعتصام عبدالله بن الزبير فيها.

عمل الحجاج شرطياً، ومن هذا الباب دخل في خدمة آل مروان وضرب في خدمته تلك الكعبة بالمنجنيق، وحرك الحجر الأسود من مكانه، بعد اعتصام عبدالله بن الزبير فيها


اسم الخادم "عذاب"


حتى نظرت والدة عبدالله بن الزبير، أسماء بنت أبي بكر الصديق، إلى جثة ولدها مصلوبةً على حائط الكعبة، حتى تعرت العظام من اللَّحم وبانت كأنها قبر معلق في الهواء، فبعثت خبراً للحجاج أن ينزل هذه العظام وقد أسمته بمبير آل ثقيف. شهدت أسماء قتل ولدها وهي عمياء في المائة من عمرها، وقيل سفاهة من الحجاج أنه خطبها طمعاً بمسالفة الرسول، فهي أخت عائشة زوجة النبي.

ولإفشاء الإرهاب في النَّفوس لقب الحجاج صاحب شرطته ميمون مولى حوشب بن يزيد بالعذاب. واستحدث سجوناً خاصة بالنِّساء، وكان “يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدَّماء، فعرف بتبذيره الدَّماء والأموال معاً، وارتكاب أمور لا يقدم عليها أحد” لبشاعتها. أُحصي في سجونه ثلاثة وثلاثون ألف عراقي “لم يحبسوا بدم أو تبعة أو دين”. أما المقتولون صبراً والهالكون في السَّجون فقدرهم المؤرخون بمائة وسبعين ألفاً، وثلاثين ألف امرأة.

قيل كانت سجونه بلا سقوف، يأكل المسجونون فيها الطعام مدافاً بالأوساخ. ومن غرائبه كان إذا سمع نواحا على ضحية من ضحاياه أمر بهدم الدَّار التي يناح فيها على أهلها، ولكثرة ما قتل قيل: “لم تجف الدماء من قتلاه”. لكل هذا وصف أحد المؤرخين ليلة موت الحجاج بالليلة المباركة، وآخر ذكرها بعرس العراق. ومن همس الحسن البصري عن الحجاج في آذان أهل الثقة والخائفين مثله: “مازال النفاق مقموعاً حتى عمم هذا عمامة وقلد سيفاً”. وعندما سُئل عن ولي نعمة الحجاج عبدالملك بن مروان أجاب: “ما أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته".

وكان الحجاج من القوة والحظوة عند الخلافة الأموية أن عُزل عمر بن عبدالعزيز عن ولاية المدينة لأنه “كتب إلى الوليد يخبره بظلم الحجاج وسفكه الدماء، وما يفعل بأهل العراق وخوّفه عواقبه".

هذا هو الحجاج، وبغض النظر عن مبالغة تلك الروايات أو حقيقتها، لكنه خاض حروباً عديدة، وحمى كُرسي إمارته عن طريق حماية كرسي الخلافة، فدونها لا يجد نفسه شيئاً، بينما ثار الآخرون يريدون الخلافة، وأغلب الثورات كانت في العراق، ويبدو أنه مَن يجلس على كرسي العراق سيتمكن من كرسي الخلافة، وذلك لكثرة الخراج فيه. لهذا عندما مات الحجاج بن يوسف الثقفي حاول خليفته أن يعزل نفسه حال تعيينه من قِبل الخليفة آنذاك سليمان بن عبدالملك، لأنه يصعب عليه إدارة العراق وقد نقعت بالدماء وضعفت على جبي الخراج للخليفة، وهذا ما كان يقوم به واليه الحجاج. حتى قيل في ذلك، أن الحجاج أراد زيادة خراج الخلافة من غلة العراق، فحرم ذبح الأبقار عليهم، فقام شاعرهم وقال: “شكونا إليه خراب السَّواد/ فحرم فينا لحوم البقر”. على أية حال عد بعضهم موت الحجاج عرساً، فيذكر أن يونس النحوي قال في ذلك اليوم: “أنا أذكر عرس العراق، فقيل له: وما عرس العراق؟ قال موت الحجاج سنة خمس وتسعين".

قال الطفيل بن هبيرة: عثرت على كرسيّ ركبه الوسخ، فقلت في نفسي: لو قلت للمختار في هذا شيئاً فأخذته وغسلته، فقلت للمختار: إني كنت أكتمك شيئاً وقد بدا لي أن أذكره لك، إن أبي كان يجلس على كرسي عندنا ويروي أن فيه أثراً من "علي بن أبي طالب"فأخذه وخطب في الناس: "إنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا الكرسي فينا مثل التابوت"

ليس كرسي الحجاج وغزارة الدماء التي بُذلت لحمايته، وما أصاب سواد العراق من خراب هي المراد، فإنما هناك قصة أخرى بشأن كرسي ثقفي آخر، ألا وهو المختار بن عبيدالله الثقفي، الذي ادعى أنه يريد أخذ ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب، وصحيح أنه قتل كبار قتلة الحسين، لكن الدافع كان آخر، ألا وهو كيف يجلس على كرسي إمارة العراق أو الخلافة، وهو الذي نصح عبدالله بن الزبير، أن يتخذ من العلويين سبباً لأخذ الخلافة. هنا ننقل ما جاء في التاريخ عن كرسي المختار، وكيف جُهز له كرسيٌ يتخذه في الحروب التي خاضها ضد عبدالله بن الزبير وأخيه مصعب، بعد أن اختلف معهم، وهي رواية طريفة جداً، وربما أسست لمفهوم الكرسي، بعد عهد الخلفاء الراشدين، فالمختار ظهر في منتصف العقد السابع من تاريخ الإسلام.


الكرسي المقدس


جاء في الرواية: “قال الطفيل بن جعدة بن هبيرة: أضقنا إضاقةً شديدة فخرجت يوماً فإذا جار لي زيات عنده كرسيٌّ ركبه الوسخ، فقلت في نفسي: لو قلت للمختار في هذا شيئاً فأخذته من الزيات وغسلته فخرج عود نضار قد شرب الدهن وهو يبص، قال فقلت للمختار: إني كنت أكتمك شيئاً وقد بدا لي أن أذكره لك، إن أبي جعدة كان يجلس على كرسي عندنا ويروي أن فيه أثراً من علي. قال: سبحان الله أخرته إلى هذا الوقت! ابعث به، فأحضرته عنده وقد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفاً ثم دعا: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثل التابوت. فكشفوا عنه، وقامت السبئية فكبروا".

بعدها صار الكرسي علامة مقدسة في المعارك التي خاضها المختار وجماعته: “ثم لم يلبثوا أن أرسل المختار الجند لقتال ابن زياد، وخرج بالكرسي على بغل وقد غشي، فقتل أهل الشام مقتلة عظيمة، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا حتى تعاطوا الكفر، فندمت على ما صنعت وتكلم الناس في ذلك تعيبه".

يعد كرسي الحجاج ، كرسي العراق كلّه، والذي طالب به ثقفي آخر، المختار بن عبيدالله الثقفي، الذي ادعى أنه يريد أخذ ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب


كرسي علي بن ابي طالب


ولقدسية علي بن أبي طالب، وأن المختار قد تقدم لأخذ ثأر ابنه الحسين، هنا وردت الفكرة أن يؤتى بكرسي ويُعلن أنه كرسي عليّ، فيكون الأمر وراثة. جاء في الرواية: “إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة، وكانت أم جعدة أم هانئ أخت علي بن أبي طالب لأبويه: إيتوني بكرسي عليّ. فقالوا: والله ما هو عندنا. فقال: لا تكونن حمقى، اذهبوا فأتوني به. قال: فظنوا أنهم لا يأتونه بكرسي إلا قال هذا هو وقبله منهم. فأتوه بكرسي، وقبضه منهم، وخرجت شبام وشاكر ورؤوس أصحاب المختار وقد جعلوا عليه الحرير، وكان أول من سدنه موسى بن أبي موسى الأشعري، كان يلم بالمختار لأن أمه أم كلثوم بنت الفضل بن العباس، فعتب الناس على موسى، فتركه وسدنه حوشب البرسمي حتى هلك المختار".


قيمة الكرسي


نعود إلى الحجاج وكرسيه، الذين استمر جالساً عليه لعشرين عاماً، ولم يمنعه عنه إلا يد المنون. فمَن يتخيل أنه أفضل من الحجاج في شأن الكرسي، وهنا نتحدث عن العراق، يكون واهماً، لكن الحجاج وغيره من الدمويين المستبدين، وبلغة العصر تعني الديكتاتوريين، كانوا يرون في أنفسهم القوة التي تحمي كرسيهم وما تحته من أرض وبشر، فما قيمة الكرسي الذي لا يصل ظله خارج ما بالعراق من مساحة المنطقة الخضراء، وما قيمة الشرعية إذا لم يتمكن بها صاحب الكرسي من حماية دماء الناس.

يذكر الجاحظ في أحد كتبه حكاية طريفة عن حاكم أو أمير من الأمراء بأنه سمع أن تمساحاً في النهر أخذ يلتهم الناس بين حين وآخر، فاستشاط غضباً من هذا الخبر، وقال: وهل هناك مَن يشاركني في القتل؟

القصد من هذا التاريخ وتلك الحكايات، أن حفظ الكرسي عادة أو لنقل غريزةً في النفوس، وعلى الخصوص التي أتت من تنظيمات الكهوف، لكن في الوقت نفسه إن للناس حقاً على الجالس على الكرسي بحماية دمائهم وثروتهم، ومن حق البلاد أيضاً بحمايتها من غازٍ، فإذا لم يعد صاحب الكرسي حامياً للدماء ولا للبلاد فما قيمة ذلك العرش المهزوز. أتينا بنموذج كرسي الحجاج لحمايته بالدم، أما كرسي المختار، فيُذكرنا به الذي أعلن عن نفسه بأنه “مختار العصر”!

8