"الكرملي".. رواية مئة عام من التاريخ الفلسطيني

الكاتب سميح مسعود يمزج عمدا في روايته "الكرملي" بين الشخصيات التاريخية الحقيقية والشخصيات المتخيلة لاستكمال البنيان الفني للرواية ذات البعد التوثيقي.
الأربعاء 2021/05/05
رؤية أخرى لما حدث بالفعل (لوحة للفنان نبيل عناني)

لقد تطورت الرواية العربية منذ منتصف القرن الماضي وصار لها حضور يفرض نفسه على غيرها من الأجناس والأنواع، ولاسيما الشعر الذي ظل يحتل المكانة الأساسية في الإبداع العربي. وصارت الرواية لسان العرب ووسيلتهم الأولى للتأريخ، لا بمجرد سرد للماضي وإنما بإعادة قراءته واستحضار أهم تفاصيله واستنطاقها في ما يمكن تسميته بالرواية التاريخية على غرار رواية «الكرملي» للكاتب الفلسطيني سميح مسعود.

عمان- يواصل الكاتب سميح مسعود تأثيث الذاكرة بأعماله الأدبية والسيرية المتنوعة التي بدأها بثلاثيته “حيفا برقة.. البحث عن الجذور”، مرورًا بـ”على دروب الأندلس” و”تطوان وحكايا أخرى” و”هوشيلاجا” و”أنطونيو التلحمي”، وانتهاء بروايته “الكرملي” التي صدرت مؤخرًا.

وإذا كان الكثير قد كُتب عن التاريخ الفلسطيني خلال الأعوام المئة الفائتة، إلا أن هذا التاريخ يبقى سجلًّا مفتوحًا، لأن لكل حياة قيمتها، ولكل حدث أهميته، وكل عمل يُكتب في هذا المجال يسهم في استكمال الصورة عن المرحلة التي مرّت من تاريخ فلسطين بكل ألوانها وتقلباتها.

البعد التوثيقي

الكاتب سميح مسعود قدم في روايته مقاربة مختلفة للمادة التاريخية بإضفاء تفاصيل خيالية تسهم في إعادة قراءة ما حدث بالفعل من منظور مختلف

في رواية “الكرملي” التي اختار صاحبها، ابن حيفا المدينة العريقة، المتقدمة ثقافيًّا وحضاريًّا، شخصيات تنتمي إلى المدينة وتعكس تطورها الثقافي والاجتماعي والسياسي. ويبرز اسم نجيب نصار، مؤسس جريدة “الكرمل” ورشيد الكرملي، ذو المواهب الأدبية، وتوفيق أبوغيدا، المقاول المثقف صاحب النزعة الوطنية، والشيخ مناور الزعبي الوطني بالفطرة وصاحب النزعة القومية.

وتقدم الرواية أيضًا شخصيات ثانوية، على غرار ظاهر العمر الزيداني، والي حيفا الذي حوّلها من قرية للصيادين إلى مدينة “يتمطّى حولها سور عال لحمايتها”. وكذلك الملك فيصل بن الحسين، الذي استقبلته حيفا بعد أن خذلته بريطانيا وأخرجه الفرنسيون من دمشق، والذي يظهر في الرواية مثقفًا، عالمًا بالتاريخ، سياسيًّا بارعًا، مدافعًا عن حق العرب في النهضة والوحدة.

وتحضر في هذه الرواية شخصيات لورانس، والمطران غريغوريوس حجار، والشاعر وديع البستاني، والشاعر سليمان أيوب، وراغب النشاشيبي رئيس بلدية القدس، والمفتي محمد أمين الحسيني.

ويظهر للقارئ أن الروائي يمزج عمدًا بين الشخصيات التاريخية الحقيقية والشخصيات المتخيلة، لاستكمال البنيان الفني للرواية. فضلًا عن أنه يقدم توثيقًا تاريخيًّا لعدد من الأمكنة، ويورد أحداثًا مفصلية مثل بناء خط سكة الحديد، والمؤتمر العربي الأول، وتأسيس الهيئة العربية العليا، والإضراب الفلسطيني العام، والثورة الفلسطينية الأولى (1936)، والحرب العربية الإسرائيلية الأولى (1948)، ما يضفي على الرواية بُعدًا توثيقيًّا، ويجعلها تتراوح ما بين الرواية التاريخية والرواية الدرامية.

ولا تشذ الرواية عن المتن الروائي الفلسطيني الذي اشتغل، منذ احتلال فلسطين وقيام الدولة الصهيونية عام 1948، على إنجاز نص سردي متخيل ينطلق من نكبة فلسطين والأحداث المصاحبة لها، من عمليات تطهير عرقي وتهجير قسري وشتات دفع الفلسطينيين إلى جهات الأرض الأربع. وبغض النظر عن مستوى المدونة الروائية الفلسطينية، التي سعت إلى القبض على لحظة النكبة في الزمان والمكان، أو في ما يسميه ميخائيل باختين “الكرونوتوب الروائي”، فقد استطاعت الرواية أن تقدم رواية مختلفة عن الرواية الصهيونية لاحتلال فلسطين وقيام الدولة العبرية.

ولكن “الكرمل” تذهب أبعد من ذلك بتقديم رؤية إلى ما قبل 1948، لتعري ما تعرض له الفلسطينيون والعرب تحت الحكم العثماني الذي مارس أسوأ الجرائم على الشعوب العربية الطامحة إلى التحرر.

وقائع تاريخية

نص سردي متخيل ينطلق من نكبة فلسطين والأحداث المصاحبة لها

 إن رؤية التاريخ والرواية من خلال البعد السردي الذي يجمع بينهما جدير بأن يحملنا على التمييز بين السرد الأدبي عامة، والروائي على وجه الخصوص، والسرد التاريخي، من جهة، ومن جهة أخرى، يدفعنا إلى البحث في العلاقة الممكنة والمحتملة بينهما من جهة أخرى. و”الكرملي” وإن اعتمدت على التاريخ كمادة أساسية لها فإنها لم تسقط في دائرة السرد التاريخي، بل قدمت رؤية للتاريخ عبر السرد.

تدور أحداث الرواية في مرحلة زمنية دقيقة وحاسمة من تاريخ المنطقة بشكل عام وتاريخ فلسطين بشكل خاص، وهي بداية القرن الماضي التي اتسمت بضعف الدولة العثمانية وتفككها وصعود التيار القومي التركي الذي بدأ يُسيء للمكونات الأخرى في الدولة، وتجلى ذلك بحملة القمع لطموحات الأحرار العرب، وإعدام العديد منهم في بلاد الشام، الأمر الذي استدعى ظهور الجمعية العربية الفتاة، تلبية لطموح العرب بالاستقلال.

وشهدت تلك المرحلة أحداثًا تاريخية واجتماعية مهمة، منها بناء خط سكة حديد الحجاز، وخط سكة حديد حيفا درعا، وهما الخطَّان اللذان كانت تسعى الدولة العثمانية من خلالهما إلى ربط أجزاء الإمبراطورية بعضها ببعض. وقد وعدت سكة الحديد بتطورات اجتماعية واقتصادية عكست الروايةُ جزءًا منها، مثل زيادة التبادل التجاري وتعزيز التواصل الاجتماعي بين الحواضر الأردنية ونظيرتها الفلسطينية، وبالتالي التقارب على المستويين السياسي والفكري.

ومن الأحداث المهمة التي مرّت عليها الرواية وتركت صدىً في المنطقة: حرب البلقان التي استفزت أحلام العرب بالاستقلال وتحقيق الوحدة العربية من تطوان إلى بغداد، والحرب العالمية الأولى، ودخول العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي في تحالف مع الإنجليز للقضاء على الدولة العثمانية، واتفاقية سايكس-بيكو، ووعد بلفور الذي قدم فلسطين ليهود العالم ليقيموا على أرضها دولة يهودية.

هذه الأحداث وسواها أعطت الرواية التوتر المطلوب، فتفجير خط سكة الحديد أعاد الناس لاستخدام الجِمال في التجارة، وخروج الملك فيصل من دمشق أعاد النضال القومي إلى جذوته الأولى، والحياة الرتيبة الهانئة آلت إلى توتر وصراع في ظل تزايد الهجرة الصهيونية إلى فلسطين.

يقول الكاتب “كانت فلسطين كلّها في تلك المرحلة كبيتِ النار، ترتجّ مصابيحها مع الأحداث كارتجاج أشرعة سفينة تائهة في بحر الظلمات، وكان اختلاف الآراء حول طوق النجاة الأفضل يُفقِد السفينة القدرة على الصمود في وجه الأنواء”.

أحداث الرواية تدور في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة عامة وتاريخ فلسطين بشكل خاص هي مطلع القرن العشرين

ومع انطلاقة الثورة الفسطينية ضد سياسات الانتداب والهجرات الصهيونية، أيّدتها جريدة “الكرمل”، وأصبحت شبه ناطقة باسمها، لكن مصير الجريدة كان يتماهى مع الأوضاع التي لا تسرّ، فوصلت في النهاية إلى طريق مسدود، تمامًا كما وصلت الثورة إلى طريق مسدود، وانتصرت الميليشيات الصهيونية المدعومة من الإنجليز على الجيوش العربية غير الجاهزة للحرب، وسقطت حيفا بعد استشهاد القائد الأردني محمد الحنيطي، وتحول توفيق أبوغيدا ورشيد الكرملي إلى لاجئَيْن في مخيم في ضواحي دمشق. وكما يقول الناقد المغربي سعيد يقطين فإن “الروائي الذي يبني رواية على مادة تاريخية جاهزة لأنه يحتاج إلى مادة حكائية فقط، ليس هو الروائي الذي لا تهمه المادة، ولكن يعنيه تقديم رؤية خاصة عن الإنسان بغض النظر عن الزمان”.

ولذلك قدم مسعود مقاربة مختلفة للمادة التاريخية بإضفاء تفاصيل خيالية تسهم في إعادة قراءة ما حدث بالفعل من منظور مختلف. تنتهي الرواية، التي صدرت عن “الآن ناشرون وموزعون” بعمّان، بلقاءات بين عدد من الشخصيات الوطنية والقومية، يجري خلالها تقييم تجربة الحرب، وتفضي إلى خروجهم من “الظلام الحالك الذي حدّثهم عنه العمّ توفيق إلى ظلام أقلّ منه”.

16