الكرنفالات المصرية وحدها لا تصنع مجدا

الهزيمة التي تعرض لها المنتخب المصري لكرة القدم أمام روسيا، منطقية من الناحية البدنية والمهارية، لأن النتيجة عكست بوضوح إمكانيات الفريق الحقيقية وأخطاءه الساذجة.
الخميس 2018/06/21
البقاء للأقوى

ربما يقدم الحظ هدايا مجانية لبعض الفرق- الأشخاص، لكن القاعدة هي ضرورة الاستعداد جيدا وتنمية المواهب والقدرات والاستفادة من نقاط القوة وتقليل زوايا الضعف. وكما يأتي الحظ مع المجتهدين، فسوء الحظ يلازم الكسالى والتعساء والجبناء. العارفون بنمط الإدارة في مصر، وضعوا أياديهم على قلوبهم عندما شاهدوا وفودا تتسابق للذهاب إلى روسيا لمشاهدة مباريات المنتخب المصري، تضم أعضاء في البرلمان ومشاهير وفنانين ورياضيين. القلق ازداد عندما بدت الرحلات مصحوبة بأنماط مختلفة من الدعاية. كل فرد أو جهة يحاول توظيف وجوده هناك لتحقيق مكاسب، سياسية أو اقتصادية أو سياحية، أو حتى الإيحاء بأنه قريب من نجوم منتخب الفراعنة، في شكل كرنفالي معروف لدى قطاع كبير من المصريين.

هذا النمط شاهدناه في مواقف كثيرة، أبرزها دخول سباق تنظيم كأس العالم عام 2010 ولم تحصل مصر على صوت واحد، في الواقعة الشهيرة بصفر المونديال، لأن جهاز الرياضة والنظام الحاكم برمته في ذلك الوقت تعاملا مع المسألة على أنها نزهة كرنفالية لا منافسة عالمية في حسن التنظيم والإدارة.

معركة سياسية

كذلك المباراة الشهيرة المؤهلة لكأس العالم في جنوب أفريقيا عام 2010 التي جرت بين مصر والجزائر في أم درمان بالسودان، كادت تتحول إلى معركة سياسية، بعد عملية شحن قامت بها بعض الدوائر الحاكمة، انتهت بصعود منتخب الجزائر على حساب مصر. الواقعة صاحبتها مقدمات، أكدت أننا كنا أمام عملية دعائية كبيرة، والوفود التي ذهبت أملا في أن تحتفل بفوز المنتخب المصري المنتظر، لعبت دورا سلبيا في التشويش على اللاعبين وتسببت في ارتباك الجهاز الإداري للمنتخب.

الأجواء المصرية التي ظهرت في السودان قبل سنوات، تكررت في روسيا بصورة أرخت بظلال قاتمة على أداء المنتخب

وقتها كان جمال وعلاء، نجلا الرئيس الأسبق حسني مبارك، من نجوم المرحلة، ويتم ترتيب المسرح للصعود السياسي لجمال، وكان الفوز على الجزائر إحدى أدوات الترويج له لتمرير سيناريو توريث الحكم شعبيا في وجود أبيه وممانعة المؤسسة العسكرية. إخفاق المنتخب المصري في الوصول إلى كأس العالم لم يتم تحميله للجهاز الإداري للمنتخب أو التدخلات التي ظهرت في مجاملة بعض اللاعبين ليشاركوا بدلا عمّن هم أكثر كفاءة. مرت المسألة دون تمعن في الدروس الحقيقية، وكادت الأجواء الكرنفالية تتسبب في أزمة سياسية بين مصر والجزائر، حتى جرى احتواؤها بصعوبة.

لن تصل نتائج الهزيمة من روسيا أو حتى السعودية إلى درجة الأزمة، بحكم العلاقات الوطيدة بين القاهرة وكل من موسكو والرياض، واختلاف الأهداف، وعدم وجود تدخلات رسمية مباشرة، لكن الأمر لن يخلو من رغبة في التوظيف السياسي عند تحقيق نصر رياضي لافت. وهي سمة أصبحت منتشرة في الكثير من البلدان، وفي مقدمتها روسيا التي تستضيف كأس العالم حاليا.

الأجواء المصرية التي ظهرت في السودان قبل سنوات تكررت في روسيا بصورة أرخت بظلال قاتمة على أداء المنتخب، ما خلف تداعيات على حالة مصريين راودتهم أحلام النصر والتفوق أو على الأقل تقديم أداء جيد، يتناسب مع التفاؤل المتعمد الذي سبق المباراة. الصور ومقاطع الفيديو التي شاهدها المصريون لفنانين وإعلاميين ولاعبين سابقين في الفندق الذي يقيم فيه المنتخب، كانت معبرة عن الأداء المنتظر؛ فلا يوجد فريق كرة في العالم يسمح باختلاط لاعبيه مع هؤلاء قبل مباراة مهمة في مسابقة مثل كأس العالم.

تبادل اللاعبين النكات والحرص على التقاط الصور مع نجوم الفن كان مؤشرا واضحا على قلة التركيز، وربما انعدامه. الجهاز الإداري الذي سمح لهؤلاء بممارسة هوايتهم في التوظيف المعنوي والمادي، يصعب أن نتوقع منه فرض الانضباط على اللاعبين داخل الملعب وخارجه. الصورة كانت معبرة عن ترهل فاضح، انعكس على أرضية ملعب المباراة.

الاحتفالات الشعبية وحدها من الصعب أن تصنع تفوقا رياضيا أو غير رياضي. مكونات الانتصار معروفة وتتبعها الدول التي تريد المنافسة وتسعى إلى التفوق عن جدارة واستحقاق. أما الدول التي تتخفى وراء المناسبات للتغطية على أزماتها فلن تتمكن من تحقيق انتصارات.

الجهاز الإداري الذي سمح لهؤلاء بممارسة هوايتهم في التوظيف المعنوي والمادي، يصعب أن نتوقع منه فرض الانضباط على اللاعبين داخل الملعب وخارجه

من ذهبوا بحجة مؤازرة المنتخب المصري في روسيا ذهبوا على حساب دافعي الضرائب من المواطنين البسطاء، الذين اكتووا بنيران الأسعار المتزايدة. لم يدفع الكثير منهم سنتا واحدا مصاريف انتقال وإقامة. قامت الكثير من الجهات والمؤسسات الرسمية بتحمل نفقات هؤلاء، من فنانين وسياسيين، لحصد أكبر درجة من الدعاية، حتى لو كانت على حساب المنتخب والأداء في الملعب.

أسباب الخلل

ليس مهما أن يتلقى المنتخب المصري هزيمة من أي منتخب، لكن من المهم أن يؤدي بصورة جيدة، ويشعرك بأنه ند قوي. عندما يكون الأداء سيئا داخل الملعب وخارجه لا بد من دراسة أسباب الخلل، والكف عن تقديم الحجج والذرائع التي تبرر للاعبين أخطاءهم وتعفي المسؤولين من العواقب بسبب سوء تصرفاتهم الإدارية.

التركيز على الأجواء الاحتفالية في الثقافة والفن والرياضة وكفى، كارثة اتسعت معالمها في مصر خلال العقود الماضية، وجنت من ورائها البلاد خسائر فادحة، ظهرت ملامحها في تراجع مكانتها عربيا وإقليميا. المشكلة أن هذه الأجواء بدأت تنتقل إلى مناح أخرى أكثر حيوية، من قبيل التوظيف السياسي والأمني لبعض الأحداث. والسياسة والأمن من القطاعات التي يجب أن يتم تقييمها على أسس موضوعية وليس على أسس كرنفالية.

الأغنيات التي يتم التفنن في كلماتها لن تجعل مصر قوية معافة. التركيز على ملامح التضحية والفداء والاستشهاد في صفوف ضباط الجيش والشرطة من الصفات الحميدة، لكن دون الاستعدادات والتجهيزات الجيدة لن يتم القضاء على الإرهاب وحفظ الأمن والاستقرار، دون خطط سياسية واعية لن تتقدم البلاد في مجال الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.

21