الكساد يحكم قبضته على أسواق التجزئة الأردنية

التجار يعانون من ضعف استهلاك السلع الغذائية الأساسية في ظل محدودية مصادر الدخل، وتصاعد التحذيرات من عواقب الضغوط القاسية على الفقراء.
الجمعة 2018/04/27
لا خيارات سوى التأقلم مع ظروف السوق

عمّان - تفاقمت معاناة التجار والمستوردين في الأردن من حدة التراجع في استهلاك المواد الغذائية الأساسية منذ بداية العام الحالي، مع تآكل مداخيل الطبقة الوسطى والفقراء بعد فرض أكبر سلسلة من الضرائب منذ سنوات.

وأكد نقيب تجار المواد الغذائية خليل الحاج توفيق تراجع الطلب على المواد الغذائية الأساسية بنحو 30 بالمئة منذ بداية العام مما أدى إلى تقليص الواردات قبيل شهر رمضان المقبل الذي يشهد عادة طفرة في الاستهلاك.

ونسبت وكالة رويترز لتوفيق قوله إن “غالبية المواطنين من ذوي الدخل المتوسط والمحدود قللوا من استهلاكهم لمواد غذائية لصالح أولويات أخرى أهم تتعلق بالمسكن كالكهرباء والماء والمواصلات”.

وتسود حالة من الارتباك والتخبط أسواق الأردن في ظل عدم وضوح الإجراءات الحكومية بشأن الضرائب الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ منذ مطلع العام الجاري، والتي كان آخرها رفع ضريبة المبيعات على عدد كبير من السلع والمنتجات الأساسية.

وأقرت الحكومة في يناير الماضي، في إطار إصلاحات اقتصادية بتوجيه من صندوق النقد الدولي، حزمة من الضرائب وزيادات في الأسعار شملت سلعا أساسية كالألبان والأجبان والخضروات، إلى جانب الكهرباء والماء ومشتقات نفطية.

164 سلعة أساسية شملها قرار الحكومة برفع ضريبة المبيعات بنحو 10 بالمئة وأخرى بين 4 و5 بالمئة

ورفعت الحكومة ضريبة المبيعات على نحو 164 سلعة أساسية إلى 10 بالمئة، في حين أخضعت سلعا أخرى كانت معفاة لضريبة مبيعات بنسبة أربعة وخمسة بالمئة.

ويقول الخبراء إن الزيادة في الضرائب وخاصة ضريبة المبيعات جاءت في وقت تعاني فيه شريحة كبيرة من فئات المجتمع الأردني من ارتفاع في الأسعار وتكاليف المعيشة الباهظة وزيادة في معدلات الفقر والبطالة.

وحذروا من انزلاق جزء كبير من الطبقة الوسطى وانضمامه إلى الطبقة الفقيرة، بسبب تراجع القدرة الشرائية في ظل محدودية مصادر الدخل بعد أن طالت قرارات الحكومة سلعا حيوية وأساسية أهمها الخبز والأدوية.

وكانت الحكومة قد زادت مطلع العام الماضي ضريبة المبيعات المفروضة على خدمات الإنترنت بنوعيها الثابت والمتنقل بمعدل 50 بالمئة وفرضت ضريبة بواقع 2.6 دينار (نحو 3.7 دولار) على كل خط هاتف محمول يباع.

وأوضح توفيق أن كبار التجار والمستوردين قاموا برصد الأسواق، وبناء على مؤشرات تراجع الطلب قلصوا حجم وارداتهم 20 بالمئة في ضوء تقيد سلعهم بفترات صلاحية محددة.

وقال “المؤشرات واضحة وأتوقع استمرار التراجع في الطلب على المدى الطويل”.

وأشار تجار إلى أن المعروض الكبير من المواد الغذائية في الأسواق والتخفيضات السعرية في المراكز التجارية الكبرى وسط المنافسة الشديدة كلها عوامل حالت دون أي ارتفاعات كبيرة في الأسعار.

وقدر باسم حمد، أحد كبار مستوردي مواد غذائية أساسية، مثل السكر والحليب والزيت وغيرها، تراجع الطلب في السلع التي يستوردها خلال الربع الأول من العام الحالي بنحو 30 بالمئة، مقارنة مع الفترة ذاتها من السنوات السابقة.

وقال “لم تعد فكرة التخزين والمونة موجودة لدى المواطن، فقد أصبح يشتري فقط استهلاكه اليومي أو الأسبوعي”.

​  ​خليل الحاج توفيق: الطلب على المواد الغذائية تراجع بنحو 30 بالمئة منذ بداية العام
خليل الحاج توفيق: الطلب على المواد الغذائية تراجع بنحو 30 بالمئة منذ بداية العام

ويتوقع التجار في مختلف مناطق البلاد استمرار ضعف القدرة الشرائية للمواطنين. وقالوا إنها تحتاج إلى وقت طويل كي تتعافى.

وقال محمد أبوعودة، أحد كبار مستوردي البقوليات والأرز، إن “زيادة الأعباء على المواطنين دفعتهم إلى تغيير سلوك استهلاكهم والاكتفاء بالضروريات”.

وتصاعدت تحذيرات الأوساط الاقتصادية والشعبية من تداعيات توسيع إجراءات التقشف ووصولها إلى الخطوط الحمر، والتي تكشف بوضوح عن جسامة الخلل المالي المزمن الذي تعاني منه الدولة.

ورفعت الحكومة الدعم عن الخبز بأنواعه اعتبارا من مطلع الشهر المقبل، وهي الخطوة التي لاقت انتقادات واسعة من المواطنين الذين يحاولون دون جدوى التأقلم مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بلادهم.

وتقول الحكومة إنها تسعى من خلال تلك القرارات إلى زيادة إيراداتها الضريبية هذا العام، بمقدار 540 مليون دينار (761 مليون دولار)، لسد عجز الموازنة الكبير.

وفي محاولة للتخفيف على المواطنين، قررت الحكومة صرف دعم نقدي للأسر التي لا يزيد مجموع دخل أفرادها عن 12 ألف دينار سنويا (16.9 ألف دولار) وللأفراد الذين لا يزيد دخلهم السنوي عن 6 آلاف دينار أردني سنويا (8.5 ألف دولار).

وخصصت في موازنتها للعام الحالي نحو 171 مليون دينار (241 مليون دولار) تحت بند “شبكة الأمان الاجتماعي لإيصال الدعم لمستحقيه” بدلا من دعم الخبز ورفع ضريبة المبيعات على السلع الغذائية المصنعة.

ويجمع المحللون والتقارير الدولية على أن الاقتصاد الأردني يعاني من مشاكل هيكلية مزمنة وأنه يواصل منذ سنوات ترقيع تلك المشاكل بالاعتماد على المساعدات الدولية دون أن تقدم الحكومة علاجات حاسمة للمشاكل الاقتصادية.

وتتمثل تلك المشاكل في ضعف الإنتاجية وارتفاع عجز الموازنة والدين العام ومستويات الفقر والبطالة، والبلد بحاجة ماسة إلى تعزيز دور الاستثمار المحلي والأجنبي وتنويع الاقتصاد ومصادر إيرادات الموازنة.

11